يونس لقطارني
أعادت قضية الخبير الاقتصادي جلول سلامة، المحكوم عليه بأربع سنوات سجنا نافذا، النقاش بشأن حرية التعبير في الجزائر إلى الواجهة، بعدما تناولت صحيفة «لوموند» الفرنسية ملاحقة التعليقات الاقتصادية التي تخرج عن الرواية الرسمية، على خلفية تشكيك سلامة في الجدوى المالية والتنموية لمنجم غار جبيلات.

ولا تقف القضايا المثارة عند حدود التحليل الاقتصادي، بل تمتد، وفق الحالات الواردة في المادة، إلى صحافيين وكتاب وباحثين ونشطاء سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، في ملفات تثير تساؤلات بشأن حدود النقد المسموح به، وطريقة تطبيق النصوص القانونية المرتبطة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب ونشر الأخبار الكاذبة.
من منجم غار جبيلات إلى أسعار المواد الغذائية
يشكل الحكم الصادر بحق جلول سلامة إحدى أبرز القضايا التي أعادت تسليط الضوء على العلاقة بين حرية التحليل الاقتصادي والقيود القانونية. وتكتسب القضية أهمية إضافية في ظل النقاش حول القدرة الشرائية وأسعار المواد الأساسية، بعدما أثارت تصريحات وزير الداخلية والنقل السابق سعيد سعيود بشأن ارتفاع سعر الطماطم جدلا واسعا، وفق ما أورده النص.

كما تورد المادة معطيات متضاربة بشأن حصيلة ضحايا حرائق جيجل، وهي أرقام تستدعي التحقق من مصادرها قبل اعتمادها، نظرا إلى خطورة الفارق بين الحصيلة الرسمية والأرقام المنسوبة إلى جهات مستقلة.
صحافيون وكتاب في قلب الجدل
وتستحضر المادة قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، الذي أوقف في الجزائر سنة 2024 أثناء عمله في منطقة تيزي وزو، والروائي بوعلام صنصال، الذي اعتُقل في نوفمبر من العام نفسه على خلفية تصريحات تناولت قضايا سياسية وتاريخية. وقد أثارت القضيتان نقاشا حقوقيا ودبلوماسيا بشأن حرية الصحافة والتعبير.

وتشمل الحالات الأخرى الواردة في النص الصحافي إحسان القاضي، الذي تعرض للسجن وإغلاق مؤسسته الإعلامية قبل الإفراج عنه بعفو رئاسي، والصحافيين خالد درارني ومصطفى بن جامع، فضلا عن الباحثين رؤوف فراح وسعيد جاب الخير.
الملاحقات تمتد إلى الفضاء الرقمي والعمل السياسي
وتشير المادة إلى أحكام ومتابعات طالت نشطاء بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأكاديميات وباحثات على خلفية تدوينات، إضافة إلى شخصيات سياسية ومعارضين، من بينهم فتحي غراس وعلي غديري وكريم طابو.

وتعيد هذه الملفات طرح أسئلة بشأن مدى تناسب العقوبات مع الأفعال المنسوبة إلى المتهمين، والضمانات المتاحة لممارسة النقد السياسي والبحث العلمي والعمل الصحافي، خصوصا عندما تستند الملاحقات إلى نصوص قانونية واسعة الصياغة.
أين ينتهي تطبيق القانون ويبدأ تقييد الحريات؟
تجمع هذه القضايا، على اختلاف سياقاتها، بين نزاعات قضائية تتعلق بالتعبير والنشر والعمل الصحافي أو السياسي. لكن تقييمها يقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والأحكام القضائية من جهة، والاتهامات والتفسيرات السياسية والحقوقية من جهة أخرى.
ويظل التحدي الأساسي هو ضمان تطبيق القانون مع حماية حرية التعبير واستقلالية البحث العلمي والصحافة، بما يتيح مناقشة السياسات العمومية والمشاريع الاقتصادية دون أن تتحول الآراء النقدية، في حد ذاتها، إلى سبب للعقاب.

