Site icon أروى بريس – Aroapress – جريدة إلكترونية مستقلة تصدر من إسبانيا

الصين تراهن على التكنولوجيا.. والمغرب يراهن على الحقائب الوزارية!

يونس لقطارني 

في الوقت الذي تخوض فيه الصين سباقاً عالمياً محموماً للسيطرة على مفاتيح الذكاء الاصطناعي، وتستثمر في البحث العلمي والتكنولوجيا المتقدمة وبناء منظومات صناعية قادرة على المنافسة، يبدو أن المغرب قرر بدوره دخول السباق، ولكن من بوابة مختلفة: منح الذكاء الاصطناعي حقيبة وزارية!

المفارقة الساخرة أن بكين تجعل التكنولوجيا رافعة للقوة الاقتصادية والنفوذ الدولي، بينما تطرح التجربة المغربية سؤالاً مختلفاً: هل يكفي أن نمنح قطاعاً اسماً وزارياً لنتوهم أننا وضعنا أقدامنا على طريق المنافسة العالمية؟

الصين لا تبني مكانتها التكنولوجية بمجرد الإعلان عن مسؤول جديد أو إحداث منصب حكومي يحمل اسماً جذاباً. وراء صعودها منظومة متكاملة من الجامعات ومراكز البحث والشركات الصناعية والاستثمارات الضخمة، إلى جانب سباق متواصل لتطوير الرقائق الإلكترونية والنماذج الذكية وتطبيقات الأتمتة. أما الوزارة، فهي أداة لتنسيق السياسات وتنفيذها، وليست بديلاً عن المختبرات والعقول والموارد والنتائج.

في المغرب، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا نريد من وزارة الذكاء الاصطناعي؟ هل نريد مؤسسة تقود تحولاً تكنولوجياً حقيقياً، أم مجرد عنوان جديد يضاف إلى قاموس الحقائب الحكومية، على أمل أن تتكفل التسمية وحدها بصناعة المستقبل؟

فالذكاء الاصطناعي ليس قطاعاً يمكن اختزاله في مكتب وزير واجتماعات رسمية وتصريحات عن الرقمنة والتحديث. إنه منظومة تحتاج إلى باحثين ومهندسين، وجامعات قادرة على إنتاج المعرفة، وتمويل مستدام للابتكار، وشركات ناشئة تستطيع الانتقال من الأفكار إلى المنتجات، وإدارة عمومية توظف التكنولوجيا لحل مشكلات المواطنين، لا لمجرد تزيين خطاباتها.

والأهم من ذلك أن المغرب لا يحتاج إلى إثبات اهتمامه بالتكنولوجيا عبر أسماء الوزارات، بل عبر نتائج قابلة للقياس: كم مركزاً للبحث والتطوير سيدعم؟ كم شركة مغربية ستنجح في تطوير حلول تنافسية؟ ما حجم الاستثمارات الموجهة إلى الابتكار؟ وكم فرصة عمل عالية القيمة ستُخلق؟ وكيف ستنعكس هذه السياسات على التعليم والصحة والإدارة والإنتاجية؟

هنا تحديداً تظهر المفارقة بين منطق بناء القوة التكنولوجية ومنطق تدبير الخريطة الحكومية. ففي التجربة الأولى، يُقاس النجاح بما تنتجه العقول والمختبرات والأسواق من ابتكارات. وفي الثانية، يبرز خطر الاكتفاء بتغيير التسميات وإعادة توزيع الاختصاصات، من دون أن يتغير شيء جوهري في واقع البحث العلمي أو مستوى الخدمات أو القدرة على خلق الثروة.

ولا يعني ذلك أن إحداث وزارة متخصصة خطوة خاطئة في حد ذاتها؛ فقد تكون وسيلة مفيدة لتوحيد الجهود وتنسيق السياسات إذا اقترنت بصلاحيات واضحة وميزانية كافية وأهداف محددة وآليات للمحاسبة. لكن تحويلها إلى إنجاز قائم بذاته، قبل ظهور نتائج ملموسة، يجعلنا أمام مشكلة الأولويات لا مشكلة الأسماء.

فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز مكانته الاقتصادية يحتاج إلى أن يجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من مشروع إنتاجي متكامل، لا مجرد عنوان في الهيكل الحكومي. ويحتاج أيضاً إلى تعليم يواكب التحولات، وإدارة تستثمر في الحلول الرقمية، ومناخ يسمح للمبتكرين بتحويل أفكارهم إلى مشاريع، بدل أن يبقى الحديث عن التكنولوجيا أكبر من الاستثمار الفعلي فيها.

أما المفارقة الأكثر سخرية، فهي أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يصبح قادراً على إنجاز بعض المهام الإدارية التي تستهلك وقتاً طويلاً، بينما تظل المشكلة الحقيقية في قدرة الإدارة على تغيير أساليب عملها، لا في عدد المسؤولين الذين يشرفون عليها.

بكين تراهن على امتلاك التكنولوجيا، والرباط مطالبة بإثبات أنها لا تراهن فقط على تسمية من يتولى الإشراف عليها. فالمستقبل لن يمنح امتيازاته لمن يملك وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي، بل لمن يملك المعرفة والابتكار والقدرة على تحويلهما إلى ثروة وفرص عمل وقوة اقتصادية.

في النهاية، لا أحد يعارض أن يكون للذكاء الاصطناعي موقع واضح داخل الحكومة المغربية؛ الاعتراض يبدأ عندما تتحول الحقيبة الوزارية إلى بديل عن المشروع، والعنوان إلى بديل عن الإنجاز، والترويج للتحديث إلى ستار يحجب سؤال النتائج.

فالتاريخ لن يسجل أن المغرب امتلك وزيراً للذكاء الاصطناعي فحسب، بل سيسأل عما أنتجه هذا الاختيار من معرفة وابتكار وتنمية. فالوزارة قد تُمنح بقرار سياسي، أما المكانة التكنولوجية فلا تُمنح بمرسوم.

Exit mobile version