أروى بريس
في عمق الأطلس المتوسط، وعلى هامش خرائط التنمية الكلاسيكية، بزغ مهرجان “الدار الكبير” في جماعة ابن صميم كحدث ثقافي، لكنه سرعان ما تجاوز حدود الفولكلور ليتحوّل إلى علامة سياسية فارقة في مسار إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع القروي، داخل واحدة من أكثر الجماعات تعقيدًا من حيث التوترات الاجتماعية والبنيات القبلية الهشة.
لقد بدا هذا المهرجان، في ظاهره، مجرد تظاهرة للفروسية التقليدية، لكنه في عمقه كان تجريبًا ميدانيًا لهندسة ترابية جديدة، توظف الرمزي في خدمة الواقعي، وتستثمر التراث في إنتاج الاستقرار. وهي صيغة أصبحت أكثر وضوحًا منذ تعيين العامل إدريس مصباح على رأس إقليم إفران، بصفته حاملًا لمشروع مؤسساتي يتجاوز منطق التدبير اليومي نحو إعادة بناء الشرعية الترابية للدولة، خصوصًا في المناطق التي ظلت لسنوات خارج دائرة الفعل التنموي النشيط.
العامل… سلطة الدولة التي ترسم الإيقاع من الخلف
في خلفية هذا التحول الصامت الذي شهدته ابن صميم، يبرز اسم إدريس مصباح كفاعل مركزي، حتى في غيابه الجسدي عن المشهد. فالرجل الذي تمرّس في الإدارة المركزية كمفتش عام لقطاع المياه والغابات، جاء إلى إفران محمّلًا بتصور استراتيجي لا يتعامل مع العالم القروي كعبء إداري، بل كمجال يحتاج إلى ترميم الثقة قبل إنزال المشاريع.
مهرجان “الدار الكبير” لم يكن ارتجالًا محليًا، بل نتيجة لمسار تشاوري غير معلن، بدأ من العمالة، وتوزّع بتناغم عبر أعمدة السلطة الترابية: من رئيس الدائرة، إلى القائد، إلى أعوان السلطة والمنتخبين. كل طرف عرف موقعه، والرسالة كانت واضحة: “الدولة حاضرة، لكن دون ضجيج… صارمة، لكن بوسائطكم الثقافية”.
إن إدريس مصباح يُعيد تموقع الدولة من خلال “التواضع الترابي” لا الاستعلاء البيروقراطي. والمهرجان كان تجسيدًا حيًّا لهذا التحوّل، حيث تم تسويق صورة الدولة الضامنة لا القامعة، القريبة لا المتعالية، والدولة التي تُنصت للبارود لا فقط لتقارير الدواوين.
الفروسية كأداة لإنتاج المعنى والاستقرار في هذا السياق، لم تعد التبوريدة مجرد احتفال فولكلوري أو فرجة شعبية، بل تحوّلت إلى وسيط ترابي – رمزي يُستعمل في ضبط الإيقاع الاجتماعي وإعادة توزيع الثقة في السلطة. لقد تم توظيف الفروسية هنا، لا كديكور تقليدي، بل كـ”بنية ذهنية” تُخاطب الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس، وتستدعي لحظة الانضباط الجماعي، والانخراط في المشترك، والاعتراف بشرعية التنسيق من زمن الرفض إلى لحظة الشراكة ابن صميم، التي لطالما شكّلت رمزًا للمطالبة والاحتجاج الموسمي، ظهرت هاته السنتين وكأنها تدخل مرحلة “المصالحة مع الدولة” من خلال مهرجان يحمل في طيّاته منطق الإدماج التدريجي بدل العزل العقابي. لقد شارك السكان في التنظيم، وانخرطت الفرق المحلية في الفرجة، وتكفّل الفاعلون الأمنيون بترتيب التفاصيل بلمسة غير مرئية.
رئيس الدائرة أزرو المعمار الصامت للهندسة الترابية وراء هذا التناسق، اشتغل رئيس دائرة إفران كمهندس ترابي بصمتٍ دقيق. لم يظهر كفاعل سلطوي تقليدي، بل كمدبّر للمعنى، يُوزّع المواقع، ويضبط الإيقاع، ويمنح المجال هامشًا من الانبساط دون أن يفقد السيطرة. إنها الدولة الذكية التي تشتغل بظلالها لا بصراخها، وتُطوّع التقاليد لخدمة أهداف استراتيجية.
إدارة اللحظة بعيون أمنية ناعمة أدار قائد بن صميم المشهد كمن ينسّق عرضًا ذا حساسية، واضعًا نصب عينيه احترام البروتوكول، وضبط الجموع، وتأمين اللحظة، دون أن يُفسد عفويتها. مكناسي الأصل، مُتمرّس على الإيقاع المؤسساتي، بدا وكأنه يُخاطب الموروث دون أن ينسى التعليمات، ويُساير اللحظة دون أن يتنازل عن ضبطها.
القبطان رضا الرامي أمن بلا ضجيج
وفي امتداد هذا التوازن، برز القبطان رضا الرامي، قائد سرية الدرك الملكي بأزرو، كرقم صامت لكنه حاسم في ضبط المشهد. بخبرته في المجال القروي، وهدوئه الاستراتيجي، مارس الرامي مهامه كمن يفكّك الألغام الناعمة التي تُحيط بأي حشد شعبي، وخصوصًا في سياق له حمولة تراثية وسياسية. لم يكن حضوره استعراضيًا، بل وظيفيًا، يُؤمن المكان والزمان، دون أن يُعطّل العفوية أو يُربك الإيقاع. لقد جسّد دور رجل الأمن الذي لا يكتفي بالتنفيذ، بل يفهم البيئة، ويقرأ نبض الناس، ويُؤطّر الأمن كوظيفة ثقة لا كقوة صلبة.
نحو سياسة عمومية تراثية؟ السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا النموذج هو: هل يمكن للفروسية أن تصبح أداة فعلية لإنتاج الحكامة القروية؟ وهل نحن أمام بداية استراتيجية وطنية تُعيد النظر في أدوات حضور الدولة في مجالات الهشاشة؟ تجربة “الدار الكبير” توحي بأن الجواب ممكن، إذا تم احترام التراتبية الرمزية، والتعاطي مع الثقافة الشعبية كحليف لا كعائق.
بين البارود والشرعية إن ما جرى في ابن صميم لم يكن مجرّد إطلاق للبارود، بل كان إطلاقًا ناعمًا لإشارات الدولة الجديدة، تلك التي تتحدث بلغة الأرض، وتُعيد بناء جسور الثقة بمنطق الترميز، لا فقط بمنطق القانون. والعامل إدريس مصباح، من موقعه، يُجسّد هذا التحوّل الذي يراهن على الاستباق الثقافي بدل المواجهة المباشرة… وعلى الفروسية لا كرياضة، بل كآلية لضبط المجال وإعادة كتابة العلاقة بين الدولة والتراب.
في انتظار ما ستكشفه النسخ المقبلة، تظل “الدار الكبير” تجربة تستحق التأمل، كنموذج لدولة تُفكّر، ولكن تفكّر بلغتك أنت.
