محمد بالخضار
( باحث في القانون العام والعلوم السياسية)
إن مسار تطور وظيفة الدولة حملها من القوة الى الضعف، بالقول؛ أن جبروت الدولة الذي ظهر في الحرب العالمية الأولى والثانية، وقوته التدميرية الهائلة، يجب تحجيمه، و التحكم فيه، و لِمَ لاَ إضعافه، بتوسيع مجال تدخل القطاع الخاص الى جانب القطاع العام، لخلق التوازن لفائدة السلم و الأمن الدوليين. و هكذا انهالت اليات التدبير الجديدة، المؤطرة بالنظريات السياسية، بخفض الانفاق العمومي وتقليص عدد الموظفين، و دعم مسلسل الخوصصة، و إخراج القطاعات الاجتماعية الى مجال المنافسة بالقطاع الخاص و فسح المجال للرأسمال و قانون السوق والمقاولة، لتنظيم الاقتصادات الوطنية و غيرها من الإجراءات الجديدة.
و من تم، لم تعد الدولة والقطاع العام الفاعل الوحيد داخل الدولة، ولا المقرر الوحيد للشأن العام، و استمر صراع القلب والاطراف بالضغط كلما سنحت الفرصة على الدولة للانكماش أكثر بدعم من الشركات العابرة للقارات و المنظمات الدولية ذات الصلة بالتجارة الدولية، الى أن، وصلت الى حالة من الضعف لم تعد معها قادرة على مقاومة ابتزازات رؤوس الأموال الدولية، و أصبحت رهينة للأسواق المالية العالمية، التي تفرض على أقوى الدول شروطا لا ترد.
و مند انهيار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفياتي وتتويج الليبرالية على رؤوس الدول والمجتمعات، سيعرف هذا المسار تسارعا ملحوظا، بتعميم التوجه الليبرالي على باقي العالم، حيث ستنتقل اغلب اقتصاداته الى التوجه الليبرالي، والنيوليبرالي فيما بعد، لِيُحكم على الدولة بالضعف العام، و مسايرتها التلقائية لتوجيهات السوق، ما شكل تحديا حقيقيا للاحزاب السياسية التي تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كانت أهم ضحايا النيوليبرالية. الأمر الذي مهد لأزمة الديمقراطية التمثيلية فيما بعد، حيث بِتْنَا نفتقد اليوم، التعددية السياسية، و تنوع البرامج الحكومية ، و السياسات الاجتماعية و فعالية الأحزاب السياسية،
حيث بَقِي تنوع البرامج السياسية حبيس الحملات الانتخابية، و لا يصل إلى البرنامج الحكومي في ظل دولة معولمة.
فمع موجات الديمقراطية المتتالية تشربت الدولة الحديثة المقومات السياسية والاقتصادية للايديولوجية الليبرالية بشكل سريع منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع سياسات التقويم (خاصة بدول الربيع العربي) و أصبحت ترى خلاصها التنموي في اقتصاد السوق، مع ترددها المستمر على خزائن البنك الدولي و صندوق النقد الدولي، و الشروط المرافقة لهذه الديون، خاصة شروط وزارة الخزينة الأمريكية التي سماها أحد المشاركين في صياغتها ب ” إجماع واشنطن “، في حين سماها نُقادها و أعداؤها ” بالليبرالية الجديدة ” التي تدعوا إلى الحد من تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية ( فرنسيس فوكوياما، بناء الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم و الإدارة في القرن الواحد والعشرين) و نقل مسألة العدالة الاجتماعية من الاقتصاد الجزئي إلى الاقتصاد الكلي، ومن تم، أصبح الحفاظ على هذه العدالة الاجتماعية رهين بالحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية ، كما صاغها كنز في نظريته العامة سنة 1936 ( Catherine Audard, Le Nouveau « Liberalisme ») و نهج سياسة التقشف الحكومي، و وضع دولة الرفاه في خدمة المنافسة بين الشركات والدول والأفراد(Bruno Palier and Claude Martin, reforming the Bismarckian Welfare Systems)وبذلك تم سحب القطاعات الاجتماعية، خاصة الصحة والتعليم، من المجال العمومي، تحت اشراف الدولة، الى المجال الخاص، أي مجال المنافسة، وجشع المضاربين. فتم تجريد القطاعات الاجتماعية من الحماية التي توفرها لها الدولة، و تُرك مصيرها لقانون السوق النيوليبرالي، الذي يشتغل وفق مقولات غير اجتماعية تماما، من قبيل: ” إن مراعاة البعد الاجتماعي و احتياجات الفقراء أصبحت عبئا لا يطاق ” و ” إن دولة الرفاه تهدد المستقبل، و إنها كانت مجرد تنازل من طرف رأس المال إبان الحرب الباردة، و إن ذلك التنازل لم يعد له الآن ما يبرره بعد انتهاء هذه الحرب “. أو الإدعاء، ” بأن شيئا من اللامساواة بات أمرا لا مناص منه ” (بيتر مارتن و هارلد شومان، فخ العولمة الاعتداء على الديمقراطية و الرفاهية )
و لطيلة عقود التزمت هذه الدول بهذا النهج اللاشعبي، حتى تصلبت، وفقد القدرة على التعاطي مع أي سياسة حكومية ذات بعد اجتماعي. ما أدى الى تراكم العجز في المجال السوسيو – اقتصادي، في ظل هذا الوضع، فقدت الأحزاب السياسية و بالتدريج، القدرة على التأثير في القرار السياسي لفائدة قواعدها، التي ما فتئت تتآكل، مع تنامي الانتقادات، لعجزها عن الاضطلاع بوظيفة الوساطة السياسية، و استفراد الليبرالية بقيادة توجه الدولة، و بالنتيجة، فُقِدت التعددية السياسية، ولم يعد تعدد ألوان الأحزاب السياسية، إلا قشرة رقيقة تغطي حقيقة انعدامها.
و انتهى الأمر بالأحزاب السياسية مرفوضة من قبل الجمهور السياسي العربي، الداعي إلى حكومات كفاءات ، وبذلك تكتمل دائرة الأزمة الحزبية و أزمة الديمقراطية التمثيلية.
فكيف تصلبت الدولة و فقدت خصوبتها السياسية؟ و كيف فقدت التعددية السياسية؟ و ما نتائج ذلك على تدبير الشأن العام؟ و ما مصير العلاقة بين الدولة والمواطن خاصة بعد أزمة كورونا و ارتفاع الطلب على الدولة الاجتماعية؟
أولا: تصلب الدولة وارتهانها إلى الأجندة الدولية:
إن تطور دور الدولة المعاصرة، من الدولة الحارسة، التي تنحصر مهامها في حفظ الأمن، والدفاع، و العدالة إلى الدولة المتدخلة في الجوانب الاقتصادية، بتحمل الأعباء الاجتماعية من صحة وتعليم و تربية و تشغيل، و تحملات عائلية و مرض وشيخوخة و غيرها، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية عبر إعادة توزيع الثروة، ثم إلى الدولة في حدها الأدنى بصيغة ” أقل ما يمكن من الدولة “، حيث تم تحييدها من التدخل في الحياة الاقتصادية و أصبحت مكلفة فقط، بالتنسيق بين الأطراف الاقتصادية المحلية والدولية وتيسير الشراكة بينهم في إطار العولمة التي اقتحمت الدولة الوطنية عبر الآليات المالية والاقتصادية، في اطار اتفاقيات التجارة الحرة، و اليات التشبيك الاقتصادي الاخرى عبر الشركات المتعددة الجنسيات. وجعلتها جزء من منظومتها، و ألزمتها بنود أجندتها الدولية عبر اتفاقية الجات G.A.T.T ) ( الاتفاق العام حول التعريفات الجمركية والتجارة ” التي جاءت بقواعد عامة تنظم الاقتصاد في العالم، و تجبر الدول الموقعة على احترام هذه القواعد، من هنا أصبح الانفتاح على العالم مبدأ مفروضا من أعلى (…) حيث أضحى التملص من الاقتصاد الكوني ضربة لكل الأنشطة الداخلية التجارية والاقتصادية ” (مجدي عبد الحافظ، العولمة: محاولة للفهم والتفاعل، في : دول و عولمة استراتيجيات و أدوار، إشراف لورينا باريني، ترجمة : نانيس حسن عبد الوهاب).
” فالعولمة تشير إلى أن اعتبار هيكلة العالم إلى دول تتبع سياسات مستقلة، هي هيكلة لم تعد قادرة على مواجهة تحديات العصر الحالي ” (لورينا باريني، دول و عولمة استراتيجيات و أدوار)، و بذلك وجب الانصهار في الكل الكوني.
فوظيفة الدولة في زمن العولمة، تتحدد في إنشاء البنيات التحتية للتجارة الدولية؛ من طرق سيارة، و موانئ ومطارات للشحن، و مناطق حرة للتبادل التجاري الدولي،و مناطق صناعية بمواصفات دولية، و الاضطلاع بتوفير الأمن البري والبحري والجوي، عبر آليات التنسيق الأمني الإقليمي و الدولي، لنقل مواد الطاقة و المواد الأولية اللازمة للصناعات الكبرى، و تيسير حركة رؤوس الأموال و البضائع، وفسح المجال لقانون السوق لتنظيم الاقتصادات الوطنية ، و توفير يد عاملة مؤهلة رهن إشارة الشركات الاستثمارية، و دعم المقاولة و حرية المبادرة، و الحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية، و توفير التشريعات القانونية الملائمة لهذه المنظومة الجديدة.
هذه هي وظيفة الدولة اليوم، بعدما كانت سابقا، تسهر على رفاهية المجتمع و سعادته الإنسانية. حيث ساهمت دولة (الرفاه الاجتماعي) في تحقيق مكتسبات سنوات ” الثلاثين المجيدة ” بأوروبا، حيث حقق العمال مكتسبات سوق الشغل،من قبيل، ثَمَانُ ساعات عمل في اليوم لا أكثر، عطلة نهاية الأسبوع، و العطلة السنوية المؤدى عنها، و التمثيل النقابي، و حق الإضراب، والتقاعد المريح، و غيرها من المكتسبات التي تحققت زمن دولة الرعاية الاجتماعية، حيث ” تبنت دساتير دول أوروبا الغربية نموذج دولة الرفاه، بإضفاء الطابع الدستوري على وظيفة الحماية الاجتماعية (…)، فسهر الدولة على الرعاية الاجتماعية ورفاهية المجتمع، مؤشر على شرعية الدولة الديمقراطية (…) التي كانت اقتصادياتها الرأسمالية عالية الإنتاجية الاجتماعية، و كانت تتساوق مع الفهم المعياري للدولة الدستورية الديمقراطية ” (Stefano Giubboni, Social Rights and Market Freedom in The Europeen Constitution a Labour Law Perspective )،هذه المكتسبات التي تم تعميمها فيما بعد، على باقي الدول والمجتمعات، كإنجازات حقوقية عالمية في إطار مواثيق دولية راسخة.
لذلك كانت الشعوب الأوروبية و باقي الدول الديمقراطية، مُوقِنة بالسياسة، و بصناديق الاقتراع، و بِمُمثليهم في المؤسسات السياسية، لكن تراجع المردودية الاجتماعية للأنظمة السياسية الديمقراطية الحالية، جعل سؤال الديمقراطية يطرح من جديد، لأنه لا ديمقراطية إلا مع التوزيع العادل للثروة و رفاهية المجتمع. فلا ديمقراطية دون رفاهية، ” فالديمقراطية الحقة تمارس فقط حينما يكون الناس في مَأْمَنٍ ضد غَوائِل الفقر والمرض والبطالة، و أنه ما لم يتحقق الاستقرار والتقدم في حياة الناس، فسيبقى الناس مُهدَّدين بأن تحكمهم نظم تسلطية ” (بيتر مارتن و هارلد شومان، فخ العولمة الإعتداء على الديمقراطية والرفاهية )
هذا هو حال الفرنسيين الذين قالوا في ظل أزمة كورونا: ” أنهم لم يعودوا يكملون الشهر بكرامة، أي لم يعد لهم ما يكفي من المال لحفظ كرامتهم “. فاقتصاد السوق الذي تتبناه أوروبا و الجزء الأكبر من العالم لم يحل دون الأزمة الاقتصادية، ” فبعدما تحولت الدولة إلى رعاية مشروع العولمة، تراجعت عن رعاية المجتمع.
و بذلك أصبح قرار الدولة، والديمقراطية التمثيلية معا، مقسم بين الشق الخارجي في إطار الأجندة الدولية ( العولمة )، والشأن الداخلي في إطار السياسة الداخلية للحكومات.
بالانغماس المتواصل للدولة في النهج النيوليبرالي، و تشربها للمقومات السياسية والمالية لهذا النظام، أصبحت السياسات الحكومية المتعاقبة متشابهة المعالم و التوجهات، عنوانها الأبرز: سياسة تقشفية و تخفيض النفقات و الالتزامات الاجتماعية، و الحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية لارضاء المنظومة المالية الدولية و بالتالي؛ أصبحت هذه البرامج الحكومية غير قابلة للتخصيب السياسي، المفضي للتعددية السياسية على مستوى الممارسة ، بأفكار جديدة تعكس التحولات السوسيو- اقتصادية والسياسية التي تعرفها مجتمعات دول الربيع العربي، و بذلك سقطنا في التنميط، و الأحادية السياسية و تصلب الدولة، وكانت القطاعات الاجتماعية المتضرر الأكبر من هذه السياسة.
و الأمر لا يقف عند هذا الحد، حتى النقابات المهنية لم تعد قادرة على تحقيق نتائج تذكر، فالحوارات الاجتماعية مع الحكومة غالبا ما تؤول الى الفشل، ما يعكس تصلب الحكومة كذلك في علاقتها مع النقابات.
فدولة العولمة، دولة غير اجتماعية، و لا تعكس تنوع المجتمع و تعدديته السياسية، و أصبحت البرامج الحكومية تستنسخ نفسها، بغض النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية، ولم يعد للتعدد الحزبي والسياسي أثر يذكر في السياسة.
ثانيا: حدود التعددية السياسية
إن قوة المؤسسات في الدول الغربية، برغم تقليص مداها، أقاما توازن رعب أوقف هجوم الخصخصة على أسوار دولة الرفاه و الرعاية الاجتماعية، و استمر الحصول على الضمان الصحي و تعويض البطالة والتعليم المجاني، رغم شراسة التاتشرية والريغانية، لذلك انتهى القرن الماضي كما يقال بالتعادل بين اليمين واليسار في العالم المتقدم” (فرنسيس فوكوياما، بناء الدولة )، اليسار المدافع عن دولة الرفاه و الحماية الاجتماعية، أمام اليمين المناصر للعولمة.
لكن اليوم، اليسار التقدمي لم يعد كما كان، في زمن نهاية الأيديولوجيا، ونهاية السرديات الكبرى، حيث الإِنجذاب القوي للدول الضعيفة للأجندة الدولية عبر آليات الإلحاق القصري، و ضعف الأحزاب نفسها عن مواكبة التحديات الخارجية و عجزها عن تطوير مشروع مجتمعي جديد بعد نهاية الحرب الباردة بين الشرق و الغرب، و اختلال موازين القوى بين الأحزاب السياسية والدولة لصالح هذه الأخيرة، و التي تتبع بدورها ، و في جزء كبير منها، للأجندة الدولية.
فأصبحت برامج و أفكار هذه الأحزاب المدافعة عن الطبقات الاجتماعية المختلفة متوارية أمام البرنامج الليبرالي الذي تتبناه الدولة قصرا و الأحزاب الليبرالية طوعا؛ بمعنى أن البرامج الانتخابية التي تتنافس في الانتخابات البرلمانية، لن تجد طريقها لأن تصبح سياسة حكومية إلا إذا كانت ذات توجه ليبرالي – رأسمالي.
أي أنَّ أي حكومة لا يَسعُها إلا أن تتبنى سياسة ليبرالية رأسمالية، و أي توجه سياسي آخر هو غير مؤهل لأن ينجح في مهمة تدبير الشأن العام، كون المنظومة الاقتصادية المالية الدولية، لن تتجاوب مع حكومة لا تتبنى معالم التوجه الرأسمالي، في زمن الاعتماد المتبادل بين الدول، والحضور شبه الدائم لقروض المؤسسات المالية الدولية، والمساعدات الدولية في ميزانيات هذه الدول.
كما تورد دانيال ميتران زوجة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران، عندما سألته وهو رئيس لفرنسا: الان لديك السلطة، لماذا لا تنفذ ما وعدت به؟ فيجيب بأن ” ليس له القدرة على مواجهة البنك الدولي، الرأسمالية والنيوليبرالية “.
لدى، لن تنجح أي حكومة في تصريف سياسة غير السياسة الليبرالية الرأسمالية، فما كان على الأحزاب المشاركة في الحكومات إلا الإنسياق و التطبيع مع هذا الواقع والتخلي عن تنوع أفكارها و توجهاتها السياسية لصالح مشروع الحكومة العالمية، و قد شهدنا على وزراء ينتمون لصف اليسار التقدمي ينفذون سياسات ليبرالية محضة بقوة الأمر الواقع .
هكذا حُشرت حكومات الدول في الزاوية، و لم يعد تنوع العرض الانتخابي حقيقيا، و لم تعد له أي قيمة، أي أَن البرامج الانتخابية المطروحة في الانتخابات التشريعية، وخاصة منها تلك التي تتبنى إصلاحات اجتماعية واضحة، لن تجد الطريق لتنفيذ مشروعها في حالة الفوز في الانتخابات، كون توجهات الدولة المرتهنة إلى الأجندة الدولية تُضيِّقُ من هامش إجراء هذه الإصلاحات، هكذا أُفْرِغت البرامج الانتخابية من مفعولها السياسي، و أصبحت فقط صالحة للحملة الانتخابية، لاَ لِأن تكون أساسا لأي برنامج حكومي إصلاحي، وبالتالي، تعطلت التعددية السياسية، و أصبحت شيئا من الماضي.
و بالنتيجة، أصبحت لدينا فئات اجتماعية غير ممثلة سياسيا، و ممنوعة من المشاركة في تدبير الشأن العام بشكل مستمر، عن طريق حرمان الأحزاب التي تمثلها من تصريف سياسة عمومية نابعة من برنامجها الانتخابي، الذي لا يتبنى بالضرورة التوجه الليبرالي- الرأسمالي. و لم يعد في مقدور الأحزاب السياسية أن تنشأ عقدا بينها وبين الجمهور السياسي، لأن هذا البرنامج الانتخابي سيتغير كليا عند صياغة البرنامج الحكومي وفقا للرؤية الليبرالية، و بناءا عليه، فقدت الثقة بين المواطنين و الأحزاب السياسية .و أصبحت العلاقة بين المواطن والدولة على المحك، بعد فشل الاحزاب في أدوار الوساطة السياسية.
ثالثا: مستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن
إن العلاقة بين الدولة والمواطن تتحدد على خط التماس بين الأجندة الدولية و السياسة الداخلية، وشرط التوازن مطلوب للإبقاء على مجال للتعايش بين الأجندتين، وتغليب أحدهما، يعني الدخول في أزمة تستدعي العودة السريعة إلى حالة التوازن ، والدولة في موقف صعب يقتضي منها توفير شروط هذا التوازن القابل للاختلال تحت تأثير أي مستجد داخلي أو خارجي.
من دون شك، أن العولمة قد أوجدت خصومة بين الدولة كجهاز سياسي، و الشعوب، التي ترى فيها( الدولة) الجهاز القوي، القادر على توفير الحماية الداخلية والخارجية لها، و قد برزت هذه الخصومة بشكل بارز في أحداث الربيع العربي الذي طالب بصوت مرتفع بتغيير سياسات الدولة لفائدة الفئات الاجتماعية.
و كما جاء في تقرير نشره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية سنة 2013 بأن: ” المقايضة المغلوطة بين الحقوق السياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كان وراء أحداث الربيع العربي “حيث أن ” العديد من الدول الأكثر تماسكا في العالم العربي تحاول القيام ببناء الدولة من الداخل، عن طريق فصل الاصلاح الاداري والمؤسساتي عن الاصلاح السياسي و المجتمعي، الأمر الذي يدفعها الى تبني النظرية الاقتصادية الصرف في علم الإدارة ” ( فرنسيس فوكوياما، بناء الدولة )، بمعنى أنه لا ينبغي الفصل بين مسارات الإصلاح. و السؤال المطروح هنا هو حول وظيفة الدولة، التي تريدها الشعوب دولة للرفاه، والحماية الاجتماعية، و رواد الرأسمالية المتوحشة، التي يريدونها دولة تراجعية و ضعيفة، يتم استدعائها فقط في حالة الأزمات لإطفاء الحريق.
و يعد التوفيق بين مقولات العولمة المغرقة في التطرف ضد المجتمع، و مطالب الشعوب، أمر بالغ الدقة والتعقيد. فاحترام الالتزامات الدولية الاتفاقية يضمن للدولة الاستمرار عنصرا فاعلا في المنتظم الدولي، مستفيدة من آليات التعاون السياسية والاقتصادية والعسكرية.
و العودة القوية إلى دولة الرفاه الاجتماعي، و هي في حالة الضعف هذه، قد يدخلها في سلسلة صعوبات مالية وسياسية قد تفضي بها إلى أزمات اقتصادية لا تستطيع التعاطي معها بشكل مباشر.
و تبقى القدرة على التوفيق بين الأمرين الحل الوحيد في هذا الصدد، عبر إعادة تكييف وظيفة الدولة على ضوء التحديات الإقليمية والدولية، بالتخفيف من تصلب الدولة، وإعادة الاعتبار التدريجي للقطاعات الاجتماعية في سياساتها الداخلية. للتخفيف من حالات الانزعاج الاجتماعي، جراء اختلال التوازن لصالح الأجندة الدولية. بإعطاء الشعوب رؤية جديدة، مبنية على أرضيات فكرية، تعتمد نمط معين من السلوك، لتحقيق أهداف نوعية، تؤدي إلى تحولات اقتصادية واجتماعية تخرج المجتمعات العربية من حالة الانحباس التنموي. بالاستعانة برجالات دولة أقوياء، بوطنيتهم، و تجربتهم، و فكرهم الوقاد، وشجاعتهم السياسية.
ويبقى النموذج الصيني، نموذجا جديرا بالاهتمام، حيث أنه استطاع أن يوفق بين توجهه السياسي ذي الأصول الشيوعية الاشتراكية، والاقتصاد العالمي الليبرالي، حيث تقول في هذا الصدد الباحثة الفرنسيةAlice Erkman في كتابها الجديد Rouge Vif Le Renouveau de l’idéal Communiste Chinois الصادر بفرنسا في مارس 2020، ” بأن الصين، شيوعية اشتراكية في الداخل، ليبرالية في الخارج “. بمعنى أنها استطاعت أن تستفيد من فرص العولمة ” عبر اصلاحات دينج أكسيانغ سنة 1968 الرأسمالية ” دون أن تفقد هويتها السياسية، أو أسباب اهتمامها بالجوانب الاجتماعية لمواطنيها، و قد ظهر ذلك في مواجهتها لفيروس كوفيد-19 باقتدار، ودون أن تظهر عليها كنظام، أي علامات اجهاد سياسي أو اقتصادي. ( و أنا هنا لست في وارد الترويج للأنظمة الشمولية، لكن أركز في النموذج الصيني على قوة الدولة في لحظة الأزمات ).
فالسياسات التي توصي بها المؤسسات المالية الدولية ليست حلا على كل حال؛ كما تقول مديرة منظمة العمل الدولية واليونيسيف السابقة، إيزابيل أورتيز : ” بأن التدابير التقشفية ليست ضرورية. هناك بدائل حتى في أفقر البلدان. أبلغت منظمة العمل الدولية و منظمة الأمم المتحدة للمرأة واليونيسيف عن ثمانية خيارات تمويل على الأقل لخلق الموارد بشكل مستدام، و تجنب التخفيضات في الخدمات العامة. على سبيل المثال، يمكن للبلدان وقف التدفقات المالية غير المشروعة، وقمع التهرب الضريبي، وجعل النظام الضريبي أكثر تقدميا، وتقليل خدمة الدين عن طريق إدارتها بشكل أفضل، أو خلق بيئة اقتصادية كلية أكثر مرونة. هناك العديد من الأمثلة الناجحة في الآونة الأخيرة.
إذا أنهت الحكومات تدابير التقشف، فقد تتمكن المزيد من الدول من رفع مستويات الدخل من اجل التنمية الوطنية، و زيادة الاستثمارات العامة التي تعود بالنفع على الناس، ودعم النشاط الاقتصادي الحقيقي والتنمية البشرية، بهدف خلق فرص عمل لائقة و ضمان الاستدامة البيئية ” (إيزابيل أورتيز، مديرة منظمة العمل الدولية و اليونسيف، ومسؤولة الأمم المتحدة و بنك التنمية الأسيوي )
فالسياسات التقشفية تؤدي إلى تراجع الطلب الداخلي و تراخي عجلة الاقتصاد، و ارتفاع نسبة البطالة، وتباطئ نسبة النمو، ومن تم السقوط في ” الحفرة ” على حد تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون عندما أخذت تتحدث عن الأزمة الأوروبية لسنة 2008 في مذكراتها بالقول ” أنها قلقة من أن يؤدي التقشف الزائد في أوروبا إلى تباطئ النمو أكثر(…) و تدعوا إلى دعم ميزانية الاستثمار، وضخ أموال عمومية في السوق الوطني لتحفيز النمو، بدل خفض الإنفاق العمومي” (مذكرات هيلاري رودهام كلينتون، خيارات صعبة، ترجمة : ميراي يونس )
استعادة التوازن بين مطالب الداخل الوطني والأجندة الدولية، يمكنها أن تبدأ من توجيهات وزيرة الخارجية الأمريكية بدعم الإنفاق العمومي، و إيزابيلا أورتيز بتفادي سياسات التقشف، و اعتماد اليات التمويل البديلة، و فسح المجال لمساهمة القوى الاجتماعية في المشاركة في بلورة برامج حكومية ذات أبعاد اجتماعية واضحة، حتى يتسنى استعادة التوازن بين الأجندتين.
و من ثم، ستستعيد الدولة مرونتها السياسية، وقدرتها على التعاطي مع الإكراهات الداخلية والخارجية بهامش مناورة أكبر، و سنعاود تلمس التعددية السياسية، كواقع معاش بتنوع الخيارات و السياسات الحكومية. كما و سيتم تجسير العلاقة بين الأحزاب والجماهير السياسية، وتَعَافِي المنظومة الديمقراطية، عندما يصبح صوت الشعب مسموعا في اذان الأجهزة الحكومية.
فالدولة كما قال هانز ادامز الثاني، حاكم ليشتنشتاين، في كتابه المعنون ب الدولة في الألفية الثالثة أنه : ” …لا يفترض اعتبار المواطنين بعد اليوم خدما للدولة، بل يجب أن تتحول الدولة إلى شركات خدمات مساعدة تخدم الشعب كما لو كان زبونها “. بإخراج القطاعات الاجتماعية من مجال المنافسة، وتمتيعها بحماية الدولة في إطار ” اقتصاد أخلاقي ” كما يقول الألمانيSteffen Mau في كتابه The Moral Economy of Welfare States Braitin and Germany Compared اقتصاد، يعتمد على الافتراضات والأفكار الأخلاقية للعدالة الاجتماعية، بقبول الفاعل السياسي والاقتصادي و مؤسسات الدولة وحتى الجمهور السياسي بهذه الأفكار، وتطبيقها على أرض الواقع، عبر السماح للمجال السياسي باعادة التوازن بين التفاوتات والنتائج التي لا تطاق التي حدثت داخل السوق، فتدابير الرافاهية، هي تدابير إعادة توزيع للموارد الاجتماعية تكون أفضل من التوزيع الأساسي للسوق.
