Site icon أروى بريس – Aroapress – جريدة إلكترونية مستقلة تصدر من إسبانيا

ورقة “حسن السيرة” حين يتحول خطأ الماضي إلى سجن أبدي بأسوار غير مرئية

عدنان مخلص

يقال إن السجن الحقيقي ينتهي بمجرد أن تعانق شمس الحرية وتتجاوز بواباته الحديدية، لكن بالنسبة للعديد من الشباب، تلك البوابة ليست سوى بداية لسجن آخر أوسع، سجن بلا حراس، جدرانه مبنية من الرفض، وقضبانه تصاغ في وثيقة واحدة هي “شهادة حسن السيرة”.

​تخيل معي شابا زلت به القدم في لحظة طيش أو قسوة ظروف، ودفع ثمن خطيئته شهورا أو سنوات من عمره خلف القضبان. يخرج هذا الشاب محملا بتوبة صادقة، ورغبة عارمة في طي صفحة الماضي، وبناء حياة شريفة، وإعالة نفسه وربما أسرته. يبحث، يكافح، ويجتاز مقابلات العمل بنجاح وكفاءة، وتغمره فرحة القبول، ليفاجأ في اليوم التالي بقرار طرده أو توقيفه. السبب؟ نقطة سوداء في سجله العدلي تأبى أن تمحى،هذا إن لم يشترط عليه وثيقة حسن السيرة قبل أن يخطوا خطوته الأولى في العمل.

هذا ليس مجرد تنظير أو خيال، بل واقع مرير وقفت عليه شخصيا عن تجربة. لقد واكبت مؤخرا حالة شاب كافح بصدق من أجل فرصة ثانية، وطرقنا معا أبواب إحدى شركات النظافة بحثا عن عمل شريف يوفر له الحد الأدنى من الكرامة. سارت الأمور في البداية على ما يرام، وبدا أن أبواب الفرج قد فتحت أخيرا، إلى أن طلب منا الشرط الحاسم “إحضار شهادة حسن السيرة”.

بمجرد تقديم تلك الورقة، تبخرت كل الآمال، ودخلنا في متاهة أخرى من الرفض المباشر. لم تشفع له رغبته في العمل بمهنة بسيطة وشاقة ليعيل نفسه وعائلته، لنجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة، معاقب على ماضي تم استيفاء حسابه بالكامل.

إن قصة هذا الشاب الذي رافقته، وقصة شاب آخر أستحضر قصته والذي قضى 11 شهرا في 2017 ولا يزال يطرد من كل عمل يعثر عليه، ليست حالات معزولة، بل هي صرخة مكتومة تعكس معاناة الآلاف من الشباب. هؤلاء يقفون اليوم أمام مفترق طرق قاس.فالمجتمع يطالبهم بالاستقامة والاندماج، لكنه في الوقت ذاته يوصد في وجوههم أبواب العمل الحلال. ولا يقتصر هذا الإقصاء على القطاع الخاص فقط، بل يمتد بمرارة ليشمل حرمانهم من بعض الوظائف العمومية، إن لم نقل معظمها؛ فالدولة التي تعاقبهم وتطالبهم بالإصلاح، تضع “خلو السجل العدلي” أو “حسن السيرة” كشرط صارم لاجتياز مباريات التوظيف، مما يوصد أمامهم أبواب القطاع العام بالكامل ويحرمهم من فرصة الاستقرار المادي والمهني.
​إن إبقاء هؤلاء الشباب في هذه الخانة الرمادية يحمل خطرا حقيقيا ومأساويا. فالشاب الذي تسد في وجهه أبواب الرزق الحلال مرارا وتكرارا، ويشعر أن توبته وإصلاحه لنفسه لا قيمة لهما في نظر المجتمع والشركات أو حتى في إدارات الدولة، قد يجد نفسه مدفوعا رغما عنه نحو العودة إلى مستنقع الجريمة أو الانحراف، أو السقوط في فخ الإحباط واليأس المدقع.

نحن هنا لا نلغي حق المجتمع في حماية نفسه، ولا حق الضحايا في تعويضاتهم، فهذا جوهر العدالة. لكن العدالة الحقيقية تكتمل بـالإدماج.حيث أن السجن وجد للإصلاح والتهذيب، فإذا كان العقاب ينتهي بانتهاء المدة، فلماذا نصر على استمراره مجتمعيا ومهنيا؟

إن هؤلاء الشباب لا يطلبون صدقة أو معاملة تفضيلية، بل يطلبون الحق في النسيان والحق في فرصة ثانية لإثبات ذواتهم.

لهذا فنحن أمام ضرورة ​ملحة تقضي بتبسيط مسطرة “رد الاعتبار” ، والرقمنة، وإحاطة طالبيها بالتوجيه القانوني السليم الذي يختصر عليهم سنوات الضياع. وتحتاج الشركات والمؤسسات العمومية إلى تغيير نظرتها النمطية، لتميز بين مجرم محترف يمثل خطرا، وبين شاب تعثر يوما وهو اليوم في أمس الحاجة لمن يمسك بيده لينهض من جديد.

إن أقسى ما يمكن أن يواجهه إنسان، هو أن يدفع ثمن خطئه مرتين: مرة من حريته، ومرة من مستقبله.

Exit mobile version