Site icon أروى بريس – Aroapress – جريدة إلكترونية مستقلة تصدر من إسبانيا

الإنتخابات… متى يفوز الشعب؟

محمد بالخضار، أروى بريس 

تشكل الانتخابات مناسبة لاختيار الأمة نوابا جددا لها بالمؤسسات التمثيلية بكل حرية، وعلى رأسها، مجلس النواب، فالسيادة للأمة تمارسها بشكل مباشر بالاستفتاء، وبشكل غير مباشر بواسطة ممثليها… حسب الفصل الثاني من دستور 2011، و الحرية شرط الديمقراطية.

فالسيادة هي السلطة التشريعية العليا، كما يقول جان جاك روسو؛ أي القدرة و السلطان، على سَنِّ القوانين، وتنفيذها، إما مباشرة أو بوسيلة، كوسيلة الحكومة مثلا.

فنواب الأمة ينصبون حكومة تسهر على تنفيذ الإرادة العامة للشعب، و تحت مراقبتهم، و إن كانت السياسة تسير وِفق قواعد الحكم لا حسب رغبات الجمهور، إلا ان التوفيق بين الأَمْرين يجعل الحكومة أكثر تمثيلية للشعب.

فالجمع بيم عقلانية الحكم و سيكولوجية الجماهير، توليفة نجاح الحكومات التمثيلية دون السقوط في الشعبوية. كما يشير الأستاذ محمد سبيلا.

فتجاهل الجماهير السياسية و مطالبها، يسيء للسياسة. و أيا كان الأمر فالشعب يحاسب الحكومة والبرلمان في المحطات الانتخابية، وهي  ( الانتخابات)،  لحظة لمحاسبة السياسيين، والتخلص من الانتهازيين، وتجديد النخبة السياسية.

– أولا: الانتخابات محطة لمحاسبة الحصيلة السياسية للحكومة والبرلمان

تعد نهاية الولاية التشريعية، لحظة يسترجع فيهاالشعب سيادته الكاملة، حيث تكون له اليد العليا على السياسيين، قبل ان يسلمها إياهم ثانية. ما يمنحه فرصة تحييد الإنتهازيين والوصوليين والإبقاء على من حَسُنت سِيَرهم السياسية. أي أنها مناسبة للفرز؛ و سحب الثقة، و منحها، و تجديدها.

فَرز من يعيشون للسياسة، و من يعيشون عليها، كما يُؤْثَر على المفكر والسوسيولوجي الألماني ماكس فيبر، كما يُورِده محمد سبيلا في كتابه الموسوم ” للسياسة بالسياسة في التشريح السياسي “.

الفئة الأولى أصحاب السياسة العقائدية، وكبار رجال الدولة، أولئك الدين ولجوا ميدان السياسة إيمانا بفكرة، او دفاعا عن حق، أو خدمة لمبدإ أو عقيدة، نموذج هؤلاء كبار الساسة العقائديين ( عبد الناصر، دوغول، لينين، … ). كما أن ” … الإسكندر و قيصر و شارلمان و نابليون و أمثالهم لم تكن نفوسا تستأثر بها المنفعة، وقد كانت وطنيتهم أكبر بكثير من طَمعِهم “. كما يورد بارتلمي سانتهيلير في تَقدِيمه لكتاب السياسة، لأرسطوطاليس.

هؤلاء من مارسوا السياسة في مستواها العالي، خدمة للصالح العام، و خلَّدهم التاريخ كعظماء خدموا أوطانهم و ساهموا في رِفعة شعوبهم بين الأمم، بين من حرر البلد، ومن سهر على نهضتها.

مقابل هؤلاء، هناك فئة السياسيين التقنيين أو الاحترافيين، رواد السياسة السياسوية، أولئك الذين دخلوا الساحة السياسية بحثا عن جاه او مال أو نفوذ، ليس همهم تحقيق مبدأ أو فكرة، بل ” تسيير ” الأمور، وتحقيق الذات والاستمتاع بنشوة السلطة وحكم الآخرين، والاستمتاع بالخيرات والمكاسب و الممتلكات. هؤلاء يعتبرون الشأن السياسي العام بمثابة ” غنيمة” عليهم أن يأخذوا نصيبهم منها قبل فوات الأوان.

لقد قلت الفئة الأولى و اندثرت، وكثرت الفئة الثانية وعظمت. لذلك وجب محاسبة السياسيين الفاسدين عقب كل ولاية تشريعية أو حكومية، بعدم تجديد الثقة فيهم.

ثانيا : الانتخابات فرصة مواتية للتخلص من السياسيين الانتهازيين

هذه الفئة التي هي أقرب الى رجال التجارة منها الى رجال السياسة، ” إن قُدامى السياسيين يتحدثون باستمرار عن العادات الحسنة و عن الفضيلة، في حين يتحدث سياسيونا سوى عن التجارة والمال “. كما يقول ج.ج.روسو.

فالمجال العام اعتبروه فضاء للاغتناء عبر التعويضات المجزية، والتي تتضاعف بتعدد المناصب والمسؤوليات، و كذا ما يتم تحصيله من الاستثمار في  العلاقات مع مسؤولي الدولة وطبقتها السياسية.

و في ظل غياب رجال السياسة الكبار، ذوي الفضيلة السياسية التي تأنف الرذائل، وتألف حب الوطن والمساواة، والاقتدار الفكري، الذي يورث النباهة وبعد النظر، ترى صغارها قد استبدلوا الفضيلة بحب الذات، والانانية السياسية، والتنكر للصالح العام. فلا ضير أن تصبح السياسة مع هؤلاء مضرب مثل لأقبح النعوت وأرذل الخصال.

هؤلاء السَّاسَة العَامِّيُون، كما يقول بارتيلمي، و انا أَعْنِي بهم الساسة الذين تواضع علمهم، وتَوَارَت ثقافتهم السياسية، و غَيْرَتهم الوطنية، و دَئَبُوا على استغلال المجال العام لمصالِحِم الشخصية، قد جَاوَزُوا الحد في التفريط بالوطن والمواطنين.

فكل مستهتر بمصالح الشعب والوطن فهو خائن للشعب والوطن. يجب أن يُفهم الأمر على هذا النحو. وعلى الدولة المواطنة ان تحصن الشعب من أسباب الاستغلال السياسي له ( الفقر، والجهل …)

هذه الطبقة السياسية التي زرعت بذور الفساد السياسي في صفوف المواطنين، بالمتاجرة في أصواتهم الانتخابية، وبذلك تم تحييدهم (أفراد الشعب) من المشاركة في القرار السياسي، وما لذلك من تبعات هدامة على مستوى الدولة والمجتمع.

لذلك وجب القيام بتربية هدفها الرئيسي؛ ” تخليص الناس من التربية السيئة التي نشؤوا عليها “، كما يقول جان جاك روسو في كتابه ” إميل ” حول التربية.

الفرد الذي يبيع صوته، يصبح نكرة سياسيا، فَأَولى أن لا يلتفت إليه، و إلى مطالبه. ” فما إن تنتخب الجماهير نخبتها السياسية حتى تستقل عنها وتنفصل بالتدريج ” كما يقول محمد سبيلا.

فلن يعود الاعتبار للمواطن ولا للسياسة ما لم يقطع هو نفسه مع العادات السيئة التي اكتسبها من سياسيوا السوء.

ثالثا : الانتخابات محطة لتجديد النخبة السياسية

سواء بالبرلمان أو الحكومة، وإن كانت هذه المسألة تسير بتثاقل كبير في ظل الاستقرار على مستوى القيادات الحزبية و مسؤولي هيئاتها الداخلية.

إذ قَلَّما نجد وجوها جديدة تلج عالم السياسة أو تخرج منه. باستثناء، الاستثناء الذي جاء به الربيع العربي حيث أدخل سياسيوا حزب العدالة والتنمية أفواجا للشأن العام، ما انعكس مباشرة على تركيبة النخبة السياسية القائدة بالمغرب.

لكن السؤال هو؛ كيف نجدد نخبتنا السياسية دون قيام الاحزاب السياسية بذلك؟ إلى متى الخوف من التجديد؟ و إلى متى ندفع ضريبة تكلس النخب؟

يجب أن يحل الفكر والسلوك الديمقراطي محل النظام البطريركي داخل الأحزاب، و يصبح استبدال القيادات الحزبية ومسؤولي الهيئات الداخلية مسألة عادية لا تخلف وراءها لا انشقاقات ولا أحزان نفسية.

فالديمقراطية تقتضي التجديد الدوري المفضي الى تجديد الأفكار والطاقات السياسية بما يناسب تطور المجال السياسي.

فلن يصل الحزب السياسي الى كماله، ما لم تشعر القواعد أنها تَتَملَّك الحزب وقراره.

المحطات الانتخابية إذا لم تقم باختيار نخبة فاضلة لتمثيل الشعب، ولم تقم بمحاسبة المسؤولين الحكوميين و النخب بالمؤسسات التمثيلية، ولم تنجح في تجديد النخب القائدة بشكل دوري، فإن فعالية المحطات الانتخابية تبقى ناقصة و لا تساهم بشكل فعال في تقوية النظام السياسي. و حتى تؤدي الانتخابات دورها المأمول، على الشعب ان يكون حرا تماما من مثبطات الفقر والجهل وضمور الشخصية ( الإحساس بالدونية ). لكن كيف السبيل لذلك؟

ما لم تقم الانتخابات بالأدوار المذكورة، فإن المرشح يفوز، أما الشعب؟ فينتظر. و في انتظار سياسيوا الدرجة الأولى، فالنزيف مستمر مع الانتهازيين.

 

Exit mobile version