بقلم-حسن يوسف زرما
قراءة تحليلية في التحركات البريطانية داخل الملف الليبي
لم يكن استقبال المشير خليفة حفتر لوفد بريطاني رفيع المستوى في بنغازي مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل يعكس تحولات متسارعة في المقاربة الغربية تجاه الأزمة الليبية، خاصة من جانب بريطانيا التي تبدو أكثر اهتمامًا بإعادة التموضع داخل المشهد الليبي بعد سنوات من التراجع النسبي.
اللقاء الذي جمع القائد العام للجيش الوطني الليبي بسفير المملكة المتحدة لدى ليبيا مارتن رينولدز وكبير مستشاري وزارة الدفاع البريطانية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا إدوارد ألغرين، يحمل في توقيته ورسائله أبعادًا تتجاوز الحديث التقليدي عن “التعاون الأمني” و”دعم الاستقرار”.
إدراك بريطاني لتغير موازين القوة
خلال السنوات الماضية، فرض خليفة حفتر نفسه كأحد أبرز الفاعلين العسكريين والسياسيين في ليبيا، خصوصًا في الشرق والجنوب، مع امتلاك قواته نفوذًا واسعًا على مناطق استراتيجية تشمل حقولًا نفطية ومنافذ حدودية ومحاور أمنية حساسة.
هذا الواقع جعل القوى الدولية، بما فيها بريطانيا، تدرك أن أي محاولة لإعادة تشكيل التوازن السياسي أو الأمني في ليبيا لا يمكن أن تتجاوز دور القيادة العامة في بنغازي، حتى وإن استمرت الخلافات السياسية بين الأطراف الليبية.
ويبدو أن لندن باتت تتعامل بواقعية أكبر مع موازين القوى الحالية، بعيدًا عن المقاربات السابقة التي ركزت بشكل شبه كامل على المؤسسات الموجودة في غرب البلاد.
هاجس الساحل والهجرة والإرهاب
أحد أبرز الأسباب التي تفسر الاهتمام البريطاني المتزايد بشرق ليبيا يتمثل في التحولات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي وشمال إفريقيا.
فمع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتزايد النفوذ الروسي في منطقة الساحل، أصبحت ليبيا تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في الحسابات الأمنية الأوروبية.
وتخشى بريطانيا، مثل بقية الدول الغربية، من تحول الجنوب الليبي إلى ممر مفتوح للجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، خاصة في ظل هشاشة الحدود واتساع الصحراء الليبية.
ومن هنا، ترى لندن أن التعاون مع قوات حفتر، التي تسيطر على جزء واسع من الجنوب والشرق، قد يشكل ضرورة أمنية وليس مجرد خيار دبلوماسي.
التنافس الدولي داخل ليبيا
التحرك البريطاني يأتي أيضًا في سياق تنافس دولي متزايد على النفوذ داخل ليبيا. فروسيا عززت حضورها خلال السنوات الأخيرة عبر علاقاتها مع القيادة العامة شرق البلاد، بينما وسعت تركيا نفوذها العسكري والسياسي في غرب ليبيا.
هذا التوازن المعقد يدفع بريطانيا لمحاولة الحفاظ على موطئ قدم داخل المعادلة الليبية، خشية فقدان التأثير في ملف يرتبط مباشرة بأمن المتوسط والطاقة والهجرة.
كما أن بريطانيا تدرك أن ترك الساحة الليبية بالكامل لقوى أخرى سيقلص قدرتها على التأثير في مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في المنطقة.
النفط والطاقة عنصر أساسي
لا يمكن فصل التحرك البريطاني عن المصالح الاقتصادية والطاقة، خصوصًا أن ليبيا تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في إفريقيا، بينما تسعى أوروبا منذ الحرب الأوكرانية إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية.
وفي هذا السياق، يمثل استقرار مناطق إنتاج وتصدير النفط الليبي أولوية للدول الأوروبية، بما فيها بريطانيا، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتواصل مع القوى المسيطرة ميدانيًا على جزء مهم من البنية النفطية الليبية.
رسائل سياسية متعددة
اللقاء يحمل كذلك رسائل سياسية موجهة إلى عدة أطراف:
– رسالة إلى القوى الليبية بأن بريطانيا لا تزال لاعبًا حاضرًا في الملف الليبي.
– ورسالة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن لندن تتابع عن قرب التحولات الأمنية في شمال إفريقيا والساحل.
– وأيضًا رسالة ضمنية بأن الغرب بات أكثر براغماتية في التعامل مع القوى الفاعلة على الأرض، بغض النظر عن الاصطفافات السياسية السابقة.
نحو مقاربة غربية جديدة؟
تشير المؤشرات إلى أن عدداً من الدول الغربية بدأ يراجع مقاربته التقليدية للأزمة الليبية، مع تزايد القناعة بأن تجاهل مراكز القوة العسكرية على الأرض لم يعد خيارًا عمليًا.
وفي ظل تعثر المسار السياسي واستمرار الانقسام بين الشرق والغرب، قد تتجه العواصم الغربية إلى سياسة أكثر توازنًا تقوم على الانفتاح على مختلف الأطراف الليبية بهدف حماية المصالح الأمنية والاقتصادية الغربية قبل أي شيء آخر.
وبذلك، فإن زيارة الوفد البريطاني إلى بنغازي قد تكون جزءًا من إعادة تموضع أوسع داخل الملف الليبي، عنوانها الأساسي: الواقعية السياسية وتغليب الحسابات الأمنية والاستراتيجية على الاعتبارات الأيديولوجية السابقه.
