أروى بريس – Aroapress – جريدة إلكترونية مستقلة تصدر من إسبانيا

المغرب وموريتانيا.. نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد

يونس لقطارني 

تشهد العلاقات بين المغرب وموريتانيا خلال السنوات الأخيرة دينامية متصاعدة، تدفع بها نحو نموذج جديد من الشراكة الاستراتيجية، لا يقتصر على المبادلات التجارية، بل يمتد إلى قطاعات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتعليم والأمن.

وتستند هذه الدينامية إلى رصيد تاريخي وثقافي وديني مشترك، إلى جانب المصالح الجيوسياسية والاقتصادية التي تفرض على البلدين تعزيز التعاون، رغم بعض التباينات الظرفية، وفي مقدمتها اختلاف المواقف بشأن ملف الصحراء المغربية.

من التجارة إلى التكامل الاقتصادي

لم تعد العلاقات الاقتصادية بين الرباط ونواكشوط محصورة في المبادلات التجارية التقليدية، إذ تتجه نحو بناء شبكة أوسع من المشاريع والاستثمارات المشتركة.

ويبرز في هذا السياق التعاون الصناعي، والقطاع المعدني، والبنية التحتية الطرقية، والربط الجوي والكهربائي، إلى جانب التكوين المهني والتبادل الجامعي. وهي مجالات تمنح المغرب فرصة لتوظيف خبراته واستثماراته، فيما تتيح لموريتانيا الاستفادة من موقعها وثرواتها الطبيعية وسوقها المتنامية.

ويكتسب الربط الطرقي أهمية خاصة، بالنظر إلى دوره في تسهيل حركة البضائع والأفراد وتعزيز موقع موريتانيا كحلقة وصل نحو أسواق غرب إفريقيا. كما يمكن للربط الكهربائي والتعاون في مجال الطاقة أن يشكلا أساساً لتكامل إقليمي أوسع.

الطاقة والهيدروجين والاقتصاد الأزرق

وتفتح التحولات الاقتصادية العالمية مجالات جديدة للتعاون بين البلدين، خصوصاً في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

فالمؤهلات الطبيعية والجغرافية للمغرب وموريتانيا تمنح البلدين فرصة لتطوير مشاريع مشتركة في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين، بما قد يحولهما مستقبلاً إلى فاعلين مهمين في سوق الطاقة النظيفة الإقليمية والدولية.

ويشكل الاقتصاد الأزرق بدوره مجالاً واعداً، في ظل الإمكانات البحرية الكبيرة التي تمتلكها موريتانيا والخبرة المغربية في الموانئ والصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية.

كما بدأ القطاع الفلاحي يفرض نفسه ضمن مجالات التعاون الجديدة، مع توجه مستثمرين وفلاحين مغاربة إلى توسيع أنشطتهم في موريتانيا، مستفيدين من توفر الأراضي والإمكانات الزراعية.

بوابة نحو غرب إفريقيا

ولا تنفصل هذه الشراكة عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها غرب إفريقيا والساحل.

فبالنسبة إلى المغرب، تمثل موريتانيا موقعاً استراتيجياً مهماً للانفتاح على العمق الإفريقي والأسواق الأطلسية، بينما يمكن لنواكشوط الاستفادة من موقع المغرب كبوابة اقتصادية ولوجستية نحو أوروبا.

ويكتسب هذا البعد أهمية أكبر في ظل المبادرات المغربية الرامية إلى تعزيز الولوج الأطلسي لدول الساحل، فضلاً عن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي، الذي يفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي والطاقة في المنطقة.

الأمن والاستقرار

ويمتد التعاون أيضاً إلى المجال الأمني، في ظل التحديات التي تواجه منطقة الساحل وغرب إفريقيا، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

ويفرض الموقع الجغرافي للبلدين تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات وتأمين الحدود، بما يخدم استقرار المنطقة بأكملها.

وفي هذا السياق، تبدو الشراكة المغربية–الموريتانية جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها المصالح الإفريقية والأوروبية والأطلسية.

شراكة تحتاج إلى التنفيذ

ورغم اتساع مجالات التعاون، فإن تحويل هذه الرؤية إلى واقع مستدام يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات في البلدين على تنفيذ المشاريع المتفق عليها وفق آجال واضحة وحكامة فعالة، بعيداً عن التأخير والتجاذبات وسوء التواصل.

كما أن نجاح الشراكة لا يرتبط بالحكومات وحدها، بل يحتاج إلى انخراط القطاع الخاص والجامعات والنخب السياسية والثقافية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

وبذلك، فإن مستقبل العلاقات المغربية–الموريتانية لا يبدو رهيناً فقط بحجم المشاريع الاقتصادية، وإنما بمدى قدرة البلدين على تحويل القرب الجغرافي والروابط التاريخية إلى تكامل اقتصادي واستراتيجي مستدام.

فإذا نجحت الرباط ونواكشوط في ترجمة هذه الدينامية إلى مشاريع ملموسة، فقد تتحول علاقاتهما من مجرد تعاون ثنائي إلى قطب اقتصادي وأطلسي يربط المغرب بعمقه الإفريقي ويفتح جسراً جديداً بين غرب إفريقيا وأوروبا.

 

Exit mobile version