يونس لقطارني
تتحرك الإمارات بقوة داخل الاقتصاد الألماني في لحظة تعاني فيها الصناعة الأوروبية الأكبر من ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الاستثمار وتراجع القدرة التنافسية أمام الصين. وفي سبتمبر 2026، أعلنت أبوظبي وبرلين حزمة استثمارات إماراتية بقيمة 40 مليار يورو خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع توقيع 29 مذكرة واتفاقاً تجارياً تجاوزت قيمتها 9.356 مليارات يورو.
ولا تبدو الخطوة مجرد بحث عن عائد مالي، إذ تتركز الاستثمارات في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والبنية الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تمنح أبوظبي التكنولوجيا والخبرة الصناعية التي تحتاج إليها لتنويع اقتصادها وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للأعمال.
وتبرز صفقة الاستحواذ على شركة كوفيسترو الألمانية للمواد والكيماويات المتقدمة كأحد أهم الأمثلة. فقد استحوذت عليها شركة «إكس آر جي» التابعة لأدنوك في نهاية 2025 مقابل نحو 15.9 مليار يورو شاملة الدين، في صفقة منحت أبوظبي وصولاً إلى شبكة صناعية عالمية وخبرات متراكمة في البحث والتطوير والمواد المتقدمة.
وفي قطاع الطاقة، تعمق أبوظبي تعاونها مع شركات ألمانية مثل «آر دبليو إي» و«سيفي»، في مجالات تمتد من الغاز الطبيعي المسال والأمونيا منخفضة الكربون إلى الرياح البحرية وتخزين الكهرباء، فيما تتجه الاستثمارات أيضاً إلى مراكز بيانات بطاقة تقارب 1 غيغاواط وشراكات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.
لماذا ألمانيا؟
تأتي التحركات الإماراتية في وقت تواجه فيه الصناعة الألمانية ضغوطاً متزايدة. فقد انخفضت القيمة المضافة الحقيقية للصناعة التحويلية في 2025 للعام الثالث على التوالي، بينما أصبح إنتاج الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة أقل بنحو 17.8% مقارنة بمستواه في 2021. كما تراجع إنتاج قطاع الكيميائيات الألماني 3.3% خلال 2025
وتمنح هذه الظروف المستثمرين ذوي السيولة الكبيرة فرصة للاستحواذ على أصول صناعية وتقنيات يصعب بناؤها من الصفر، بينما تحصل الشركات الألمانية في المقابل على رأس المال والأسواق الجديدة التي تحتاج إليها.
لكن الرهان الإماراتي يتجاوز ألمانيا نفسها. فبعد انتقال ملكية كوفيسترو، بدأت الشركة دراسة إنشاء مصنع ضخم في منطقة الرويس بأبوظبي، مستفيدة من توفر الطاقة والمواد الخام والبنية الصناعية. وقد تصل الاستثمارات التي تدرسها الشركة في الصين والإمارات إلى نحو 4 مليارات يورو.
وهنا تظهر الاستراتيجية بوضوح: شراء التكنولوجيا والخبرة في أوروبا، ثم توظيف جزء منها في بناء قدرات إنتاجية داخل الإمارات.
سباق خليجي على التكنولوجيا الألمانية
وتأتي التحركات الإماراتية وسط منافسة متصاعدة بين أبوظبي والرياض والدوحة على الأصول الصناعية والتكنولوجية الأوروبية. فصندوق قطر السيادي يملك حصصاً مؤثرة في شركات ألمانية كبرى، بينها فولكسفاغن وسيمنس، بينما وسع صندوق الاستثمارات العامة السعودي حضوره في قطاعات النقل والصناعة والتكنولوجيا الأوروبية.
وتأخذ المنافسة بعداً إقليمياً مباشراً، إذ تحاول السعودية جذب الشركات العالمية إلى المملكة عبر سياسة المقرات الإقليمية، في تحدٍ للنموذج الذي جعل دبي وأبوظبي مركزين رئيسيين لإدارة الأعمال في الشرق الأوسط.
المال يتحول إلى نفوذ؟
غير أن اتساع الاستثمارات الإماراتية يطرح سؤالاً يتجاوز العائد الاقتصادي: هل يمكن أن يتحول رأس المال إلى نفوذ سياسي واستراتيجي؟
فمع توسع الملكية الإماراتية في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، تزداد أهمية العلاقة بين أبوظبي وبرلين. وقد أُطلق خلال زيارة الرئيس الإماراتي إلى ألمانيا حوار استراتيجي ومجلس استثمار مشترك يشمل الاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والدفاع والأمن.
ولهذا تواجه برلين معادلة دقيقة: الاستفادة من رأس المال الإماراتي في إنعاش الصناعة والطاقة والتكنولوجيا، مع تجنب تحول الاعتماد المتزايد على الاستثمارات السيادية إلى مصدر نفوذ داخل قطاعات استراتيجية.
بهذا المعنى، لا تبدو الـ40 مليار يورو مجرد صفقة استثمارية كبرى، بل جزءاً من إعادة رسم العلاقة بين رأس المال الخليجي والصناعة الأوروبية، حيث تراهن أبوظبي على شراء التكنولوجيا والخبرة والأسواق، ثم إعادة توظيفها لبناء قوة صناعية واقتصادية داخل الإمارات.
