Site icon أروى بريس – Aroapress – جريدة إلكترونية مستقلة تصدر من إسبانيا

من الجوار الصعب إلى الجوار المعادي… المغرب محاصرٌ بجغرافيا سياسية لا ترحم

يونس لقطارني 

حين يتكلم الرئيس الفرنسي في مدريد عن سبتة ومليلية، لا يعود الأمر مجرد جملة عابرة في مأدبة ملكية. وحين يختار إيمانويل ماكرون أن يردد الرواية الإسبانية بشأن المدينتين ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قال؟ بل: لماذا قاله الآن؟

ترك ماكرون وراءه مدارس بلاده وأزماتها، وشوارعها وتظاهراتها، وسؤالًا سياسيًا ثقيلاً حول مستقبل الماكرونية في أفق 2027، واتجه إلى إسبانيا ليقف إلى جانب الملك فيليبي السادس، ويردد خطابًا واضحًا حول إسبانية سبتة ومليلية، وحول ضرورة الدفاع الأوروبي عن الحدود والتضامن مع إسبانيا.

المفارقة أن فرنسا، التي تعرف جيدًا تاريخ المغرب، وتعرف أكثر من غيرها تعقيدات ملف المدينتين ، اختارت هذه المرة أن تقترب من الرواية الإسبانية، وأن تبتعد خطوة إضافية عن الحياد التقليدي الذي حافظت عليه باريس تجاه هذا الملف.

وهنا تبدأ الحكاية.

فقد نجح ملك يسود ولا يحكم في جعل رئيس الجمهورية الفرنسية يدخل، ولو من باب التصريحات، إلى منطقة شديدة الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.

والسؤال المشروع: هل كانت تلك مجرد مجاملة دبلوماسية في قصر ملكي، أم أنها إشارة سياسية لها ما بعدها؟

لأن توقيت هذه الرسالة الفرنسية ليس عاديًا.

نحن نتحدث عن زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس، وعن شراكة استراتيجية مع المغرب قيل إنها ستكون غير مسبوقة.

فكيف ستدافع فرنسا عن مصالح المغرب داخل أوروبا، وكيف ستقدم نفسها شريكًا استراتيجيًا موثوقًا، إذا كانت في أول امتحان سياسي، وقبل أن يجف حبر أي اتفاق، قد اختارت الاقتراب من الموقف الإسباني في قضية تعتبرها الرباط من أكثر الملفات حساسية؟

السؤال مطروح… ولا أنتظر جوابًا.

ولا أريد توضيحًا لما قيل في مأدبة ملكية.

لكنني أريد أن أعرف فقط: هل تغيرت البوصلة الفرنسية؟

والأغرب من الموقف نفسه هو الصمت المغربي.

يبدو أن وزير الخارجية المغربي ما زال مضربًا عن الكلام عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية وقضاياها الثقيلة.

وإذا كانت الدبلوماسية تقوم أحيانًا على الصمت، فإن الصمت في لحظات كهذه قد يتحول إلى رسالة بحد ذاته.

لقد انتقلنا، ببساطة، من الجوار الصعب إلى الجوار المعادي.

ضعوا الخريطة أمامكم وتأملوا جغرافيتنا السياسية.

في الشرق، الجزائر لا تزال تدير علاقتها بالمغرب بمنطق الخصومة المفتوحة. والرئيس عبد المجيد تبون لا يبدو مستعدًا لإزالة ملف العداء للمغرب من فوق مكتبه.

حتى مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري لم يسلم من السخرية السياسية الجزائرية.

حين يتحدث رئيس دولة عن مشروع استراتيجي عابر للقارة، بمنطق: سيمر من دول كثيرة، وكل دولة ستأخذ حصتها، فماذا سيبقى؟

هنا لا يعود النقاش اقتصاديًا فقط… بل يصبح سياسيًا بامتياز.

وفي الجنوب، موريتانيا تمشي على الرمل بحذر.

توازن بين حساباتها مع الجزائر، وعلاقاتها مع المغرب، وملف الصحراء، وحدود جغرافية شديدة الحساسية.

والنتيجة أن دولتين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح، لا تزالان عاجزتين عن الوصول إلى وضع طبيعي يجعل مواطني البلدين يتحركون بينهما دون تعقيدات التأشيرة.

وفي الشمال، مدريد.

حكومة يسارية تعيش كل صباح على حساب الأغلبية، وتواجه ضغط اليمين، فتجد في المغرب وملفات الجوار مادة جاهزة للاستهلاك السياسي الداخلي.

وهكذا تتحول سبتة ومليلية من قضيتين تاريخيتين إلى أوراق في لعبة سياسية أوروبية.

والآن انظروا إلى الغرب.

الأطلسي.

مسافة تقارب ستة آلاف كيلومتر تفصل المغرب عن شواطئ الولايات المتحدة.

هناك، في واشنطن، السياسة الخارجية لا تُدار دائمًا بالعاطفة.

هناك، الحساب أولًا.

وهناك رئيس أمريكي لا يخفي أن السياسة، بالنسبة إليه، صفقة قبل أن تكون خطابًا.

وقبل أيام، جاء من واشنطن كلام عن أن حل نزاع الصحراء ليس قريبًا، وأن الملف سيبقى مفتوحًا.

ثم جاءت تصريحات المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، بما تحمله من تعقيدات وشروط ومسارات جديدة.

وفي المقابل، قدم المغرب مقترحه للحكم الذاتي في وثيقة مفصلة، بينما لا تزال الأمم المتحدة تبحث عن صيغة تجمع بين مسارين شديدي التناقض:

حل سياسي يقوم على الحكم الذاتي، ومسار قانوني يرتبط بمفهوم تقرير المصير.

وكأن المطلوب اختراع معادلة سحرية تجمع الماء والنار في كأس واحدة.

كيف؟

الله أعلم.

لكن المؤكد أن استمرار الوضع الحالي لا يصنع منتصرًا.

إنه يصنع فقط ستاتيكو يخسر فيه الجميع.

المغرب يخسر الوقت.

والمنطقة تخسر التنمية.

والاتحاد المغاربي يخسر مستقبله.

والأجيال الجديدة ترث حدودًا مغلقة، وخصومات قديمة، وخطابات سياسية تعيش على ذاكرة الصراع أكثر مما تعيش على أسئلة المستقبل.

ذات مرة، نُسب إلى الثعلب الأمريكي هنري كيسنجر قول شهير عن السياسة الخارجية الأمريكية:

«أمريكا ليست لها سياسة خارجية، بل لها سياسة داخلية بواجهة خارجية.»

سواء اتفقنا مع العبارة أو اختلفنا حول نسبتها، فإن معناها يصلح اليوم لقراءة جزء كبير من المشهد الدولي:

الدول لا تتحرك دائمًا من أجل الآخرين.

إنها تتحرك أولًا من أجل مصالحها.

وفرنسا ليست استثناءً.

وإسبانيا ليست استثناءً.

والجزائر ليست استثناءً.

وأمريكا ليست استثناءً.

والمغرب أيضًا يجب ألا يكون استثناءً.

في السياسة، لا توجد صداقات دائمة.

توجد مصالح دائمة.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من معنا ومن ضدنا؟

بل:

من يخدم مصالحه… ومن يكتفي بالتصفيق للآخرين؟

ضعوا الخريطة أمامكم مرة أخرى.

انظروا إلى الشرق.

ثم الجنوب.

ثم الشمال.

ثم اعبروا الأطلسي.

وعندها ستفهمون أن الجغرافيا ليست قدرًا فقط…

إنها أحيانًا امتحان للسياسة.

والخبر الذي يجب أن يكون في رؤوسنا جميعًا:

لا أحد سيدافع عن مصالح المغرب أكثر من المغرب نفسه.

Exit mobile version