يونس لقطارني
أي حكومة يريدها المغاربة؟ حكومة تكتفي بتدبير الزمن السياسي وتدوير الخطابات، أم حكومة تمتلك الجرأة والكفاءة لتحويل الوعود إلى نتائج، والاستجابة لانتظارات المواطنين؟
المطلوب اليوم ليس حكومة تبدأ من الصفر، ولا أخرى تختبئ وراء حصيلة سابقتها لتبرير التعثر، بل حكومة تتحمل مسؤوليتها كاملة، تبني على ما تحقق، وتعترف بما أخفق، وتصحح الاختلالات دون تردد. فالاستمرارية ليست امتيازاً سياسياً، بل مسؤولية تفرض تسريع الإصلاح ومحاسبة المقصرين.
المغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من البرامج والوعود بقدر ما يحتاجون إلى نتائج ملموسة. يريدون مستشفيات تحفظ كرامتهم، ومدارس تمنح أبناءهم فرصاً حقيقية، وشغلاً يقي الشباب الإقصاء واليأس، وحماية اجتماعية تخفف أعباء المعيشة. أما الدولة الاجتماعية، فلا يمكن أن تظل شعاراً سياسياً بينما يستمر المواطن في مواجهة ارتفاع التكاليف وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وتحتاج البلاد إلى حكومة منسجمة، لا تتنازع مكوناتها الحسابات الحزبية، ولا تتعدد داخلها مراكز القرار والخطابات المتناقضة. حكومة بكفاءات حقيقية، وأهداف محددة، وآجال مضبوطة، ومؤشرات واضحة لقياس الأداء. والأهم، حكومة تقبل المحاسبة ولا تجعل من التبرير وسيلة للهروب من المسؤولية.
فلا معنى للحديث عن الاستثمار وخلق الثروة في ظل البيروقراطية وتعقيد المساطر، ولا عن تمكين الشباب مع استمرار محدودية فرص الشغل، ولا عن العدالة المجالية بينما تظل جودة الخدمات وفرص التنمية رهينة بالمكان الذي يعيش فيه المواطن. كما أن حماية الطبقة المتوسطة والفئات الهشة لا تتحقق بالتصريحات، بل بسياسات تخفف الضغط المعيشي وتوسع فرص الدخل والعمل.
أما الشباب، فلا يريدون خطابات موسمية عن المستقبل، بل فرصاً فعلية للتكوين والتشغيل والمبادرة. والنساء لا يحتجن إلى إشادة رمزية بدورهن، بقدر ما يحتجن إلى تكافؤ الفرص والحضور الفعلي في مواقع القرار. والمقاولات والمهنيون والفلاحون يحتاجون إلى إدارة تسهّل عملهم، لا إلى مساطر تستنزف وقتهم وإمكاناتهم.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة هو الانتقال من منطق تدبير الملفات إلى منطق تحقيق النتائج، ومن ثقافة الإعلان عن المشاريع إلى قياس أثرها على حياة المواطنين. فكل تأخر في إصلاح الصحة والتعليم، وكل تعثر في خلق فرص العمل، وكل إخفاق في تحسين الخدمات، له كلفة اجتماعية وسياسية لا يمكن إخفاؤها وراء لغة الأرقام والإنجازات المعلنة.
وتوفر التوجهات الاستراتيجية للمملكة إطاراً واضحاً لمواصلة بناء الدولة الاجتماعية وتعزيز الاستثمار المنتج والسيادة الاقتصادية والعدالة المجالية. لكن الرؤية، مهما كانت طموحة، لا تكفي وحدها؛ إذ تظل قيمتها مرتبطة بقدرة الحكومة على التنفيذ، وجرأتها في اتخاذ القرارات، واستعدادها لتحمل تبعات النجاح والإخفاق.
المغاربة لا يريدون حكومة تتقن التواصل أكثر مما تتقن الإنجاز، ولا حكومة تجعل من استمرارية الأوراش مبرراً لاستمرار الاختلالات. يريدون حكومة تصارحهم، وتعمل من أجلهم، وتقدم حساباً واضحاً عن حصيلتها.
فالحكومة المقبلة لن تُقاس بعدد الوعود التي ستطلقها، ولا بحجم البرامج التي ستعلنها، بل بما ستنجزه فعلياً في حياة المواطنين. وتلك هي المعادلة الحاسمة: استمرارية بلا جمود، وإصلاح بلا تردد، وسلطة تنفيذية تتحمل المسؤولية وتخضع للمحاسبة.
