زيارة رئيس التجمع الوطني الفرنسي إلى سبتة رفقة زعيم حزب «فوكس» الإسباني المتطرف تتجاوز بعدها الحزبي، لتضع ملف السيادة والهجرة في صلب تحالف اليمين القومي الأوروبي، وتفتح باب التساؤلات بشأن حدود هذا التقارب وانعكاساته على العلاقات مع المغرب.
لم يكن اختيار جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني الفرنسي، مرافقة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس» الإسباني، إلى سبتة يوم 12 أكتوبر، مجرد محطة عابرة في أجندة سياسية أوروبية، ولا مجرد مشاركة في احتفالات العيد الوطني الإسباني. فقد جاءت الزيارة محمّلة برسائل سياسية مرتبطة بالسيادة والحدود والهجرة، في وقت تعيش فيه المدينة على وقع توتر متصاعد أعاد العلاقات المغربية الإسبانية إلى دائرة الجدل.
وبينما اختار أباسكال مقاطعة الاحتفالات الرسمية والعرض العسكري في مدريد رفضاً لمشاركة المنصة مع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، فضّل التوجه إلى سبتة، مصطحباً معه حليفاً أوروبياً بارزاً يتولى قيادة التجمع الوطني الفرنسي ويرأس مجموعة «الوطنيون من أجل أوروبا» في البرلمان الأوروبي. وهكذا تحولت المدينة إلى منصة لعرض تقارب سياسي بين قوتين من اليمين القومي، يجمعهما التشدد في قضايا الهجرة والدفاع عن الحدود الوطنية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في المغرب هو: هل اختار بارديلا الوقوف إلى جانب أباسكال في خلافه مع حكومة سانشيز فحسب، أم أن حضوره في سبتة يحمل أيضاً دلالات تتجاوز ذلك إلى الاصطفاف ضمن خطاب السيادة الإسبانية على المدينة؟
سبتة.. منصة لتصعيد خطاب اليمين القومي
لم يترك أباسكال مجالاً كبيراً للالتباس بشأن الرسالة التي أراد إيصالها من سبتة. فقد برر اختياره المدينة بالقول إن إسبانيا لا تستطيع نسيان سكانها هناك، خصوصاً في مناسبة وطنية من حجم 12 أكتوبر، معتبراً أن الاحتفال بعيد البلاد لا يمكن أن يجري بصورة طبيعية في ظل ما وصفه بـ«غزو» جزء من الأراضي الإسبانية.
كما هاجم حكومة سانشيز، واصفاً إياها بالخائنة، ومؤكداً أنه لا يريد مشاركة المنصة الرسمية معها. وبذلك لم تكن زيارته مجرد إحياء رمزي للعيد الوطني، بل محاولة واضحة لنقل المواجهة مع الحكومة من مدريد إلى سبتة، حيث يتقاطع الخطاب القومي مع الملفات الأكثر حساسية في العلاقات مع المغرب.
وخلال جولته في المدينة إلى جانب بارديلا، صعّد أباسكال لهجته بشأن الوضع الأمني والهجرة، وقدم سبتة باعتبارها مدينة تعيش تحت الحصار، داعياً إلى اتخاذ إجراءات واسعة لاستعادة ما وصفه بحرية المدينة وأمنها وكرامتها.
وذهب زعيم «فوكس» إلى المطالبة بترحيل من وصفهم بـ«الغزاة»، وتشديد الرقابة على الحدود، وتعزيزها بالموارد البشرية والمادية، بما في ذلك عسكرة الحدود لمنع تكرار موجات العبور الجماعي.
وتكشف هذه التصريحات عن توجه يتجاوز المطالبة بإجراءات أمنية ظرفية، نحو جعل الهجرة محوراً مركزياً في مشروع سياسي يقوم على التشدد في مراقبة الحدود، والتوسع في عمليات الترحيل، وربط الأمن الوطني بالتحكم الصارم في حركة الأشخاص عبر الحدود.
في هذا السياق، لم تكن سبتة مجرد مكان اختاره أباسكال للاحتفال بالعيد الوطني، بل مساحة أراد من خلالها إعادة صياغة النقاش السياسي الإسباني حول الهجرة والسيادة، مستفيداً من أزمة لا تزال تلقي بظلالها على المدينة.
بارديلا في سبتة.. أكثر من مجرد تضامن حزبي؟
تكمن أهمية حضور بارديلا في أنه يمنح تحرك أباسكال بعداً أوروبياً واضحاً. فزعيم التجمع الوطني الفرنسي لا يمثل حزباً إسبانياً يسعى إلى توظيف قضية محلية في معركته مع الحكومة المركزية، بل يقود أحد أبرز أحزاب اليمين القومي في فرنسا، ويرأس مجموعة سياسية في البرلمان الأوروبي تجمع قوى تتقاطع في عدد من مواقفها بشأن الهجرة والسيادة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن ظهوره في سبتة إلى جانب أباسكال يبعث برسالة مفادها أن التعاون بين هذه القوى لا يقتصر على التنسيق داخل المؤسسات الأوروبية، بل يمتد أيضاً إلى التحركات الميدانية والملفات التي تستخدمها في تعبئة قواعدها الانتخابية.
وقد شدد أباسكال على أهمية هذه الزيارة، معتبراً أنها تعكس الصداقة والتضامن بين الحلفاء في الأوقات الصعبة، كما قدمها بوصفها رسالة موجهة إلى أوروبا والعالم بشأن تعاون القوى القومية في الدفاع عن سيادة الدول وحدودها.
ومع ذلك، فإن اختيار المشاركة في تحرك سياسي يتمحور حول السيادة الإسبانية على سبتة، وفي توقيت تتصدر فيه الهجرة والخلافات مع المغرب النقاش العام الإسباني، ليس خطوة خالية من الدلالات. فالحضور يمنح أباسكال دعماً سياسياً أوروبياً، ويعزز صورة التقارب بين الطرفين في ملف الحدود، حتى في غياب تصريح مستقل من بارديلا بشأن الموقف من الرباط.
وهنا تحديداً تبرز دلالة السؤال: «حتى أنت يا بارديلا؟». فالمسألة ليست أن الرجل أعلن حرباً سياسية على المغرب، بل أن ظهوره في هذه اللحظة يثير تساؤلات بشأن مدى استعداده للانخراط في خطاب حليفه الإسباني عندما يتعلق الأمر بملف تتداخل فيه الهجرة مع قضية السيادة.
المغرب في خلفية المشهد.. خلاف يتجاوز تدبير الهجرة
لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن الخلاف التاريخي بين المغرب وإسبانيا حول سبتة ومليلية. فالمغرب يعتبر المدينتين جزءاً من ترابه الوطني، بينما تتمسك مدريد بسيادتها عليهما.
وبينما تحاول الحكومتان المغربية والإسبانية الحفاظ على التعاون في ملفات الأمن والهجرة والتجارة، تظل السيادة على المدينتين نقطة خلاف بنيوية، تعود إلى الواجهة كلما تصاعدت الأزمة أو استُخدمت القضية في الخطاب السياسي الداخلي الإسباني.
وقد أعادت موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز هذا الملف إلى الواجهة بقوة. وتحدثت التغطيات الإسبانية عن عبور أكثر من 80 ألف شخص خلال الأزمة، التي وضعت السلطات أمام تحديات أمنية وإنسانية واسعة، وأشعلت نقاشاً سياسياً بشأن مسؤولية الحكومة المركزية وطريقة تدبير الحدود.
وفي خضم الجدل، اتجهت أصوات في اليمين الإسباني إلى تقديم الأحداث باعتبارها دليلاً على فشل سياسات الحكومة، بل ذهب بعضها إلى استخدام تعبيرات تصعيدية في وصف ما جرى، وربط الأزمة بالمغرب.
وتعززت حساسية الملف بعدما أقر سانشيز، في 12 أكتوبر، بدخول سفن حربية مغربية إلى مياه تعتبرها مدريد خاضعة لسيادتها بالتزامن مع أزمة العبور الجماعي، قائلاً إن التوتر عولج عبر اتصالات رفيعة المستوى. وقد أعاد هذا المعطى البعد البحري والعسكري إلى النقاش حول سبتة، بعدما كان التركيز منصباً أساساً على الهجرة والحدود البرية.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح حضور زعيم أوروبي إلى جانب أباسكال في سبتة ذا أهمية سياسية إضافية. فالزيارة تزامنت مع مرحلة يجري فيها استحضار السيادة والحدود في الخطاب العام الإسباني، بما يجعل أي إعلان عن التضامن مع هذا الخطاب قابلاً لأن يُقرأ في الرباط من زاوية أوسع من مجرد العلاقات بين حزبين أوروبيين.
من أزمة الهجرة إلى توظيف السيادة انتخابياً
تقدم زيارة أباسكال وبارديلا مثالاً على الطريقة التي تحولت بها سبتة من ملف حدودي حساس إلى محور للمنافسة السياسية داخل إسبانيا وأوروبا.
فأباسكال لم يكتف بتوجيه الانتقادات إلى سانشيز، بل اختار مقاطعة الاحتفالات الرسمية في مدريد، ليصنع لنفسه مشهداً سياسياً موازياً في سبتة. وبهذا القرار، وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الحكومة، مقدماً حزبه بوصفه المدافع الأكثر حزماً عن الحدود والسيادة.
أما وجود بارديلا إلى جانبه، فيعزز قدرة «فوكس» على تقديم خطابه باعتباره جزءاً من توجه أوروبي أوسع، وليس مجرد موقف خاص بالساحة السياسية الإسبانية. كما يوفر للتجمع الوطني الفرنسي فرصة لإظهار حضوره في القضايا التي تشكل أولوية لدى جمهور اليمين القومي، خصوصاً الهجرة والأمن والهوية الوطنية.
وتزداد أهمية هذا البعد في ظل اقتراب الانتخابات الإسبانية، حيث تصبح القضايا الحدودية مادة سهلة للتنافس بين الأحزاب، لا سيما عندما تقترن بمخاوف أمنية أو توترات دبلوماسية.
زيارة ملكية في توقيت حساس
تكتسب هذه التحركات مزيداً من الأهمية مع الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في أول زيارة ملكية إلى المدينتين منذ اعتلاء فيليبي السادس العرش سنة 2014.
فالزيارة الملكية تأتي في وقت لا تزال فيه تداعيات أزمة الهجرة حاضرة في النقاش العام، وبعد أيام من الكشف عن تفاصيل التحركات البحرية المغربية خلال الأزمة، وفي ظل استمرار الخلاف السياسي حول طريقة تعامل الحكومة مع الحدود.
وبينما تقدم المؤسسات الإسبانية الزيارة باعتبارها مناسبة لتأكيد الحضور الرسمي للدولة في المدينتين، فإن توقيتها يمنحها وزناً إضافياً في سياق العلاقة مع المغرب، خصوصاً أن أي خطوة ملكية من هذا النوع تستحضر تلقائياً الخلاف التاريخي حول السيادة.
وفي المقابل، يحاول أباسكال الاستفادة من اللحظة لفرض خطاب أكثر تشدداً تجاه الهجرة، فيما يقدم بارديلا مشاركته باعتبارها تعبيراً عن التعاون بين الحلفاء القوميين. وهكذا تتقاطع الزيارة السياسية مع الحدث الملكي في المكان نفسه والملف نفسه، وإن اختلفت طبيعة كل تحرك وأهدافه.
واللافت أن هذا التزامن يضع قضية سبتة في قلب مشهد سياسي متعدد المستويات: خلاف دبلوماسي بين الرباط ومدريد، ومواجهة داخلية بين الحكومة الإسبانية واليمين، وتنسيق بين أحزاب قومية تسعى إلى تعزيز تأثيرها الأوروبي.
هل يعني الاصطفاف في سبتة اصطفافاً ضد المغرب؟
هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه زيارة بارديلا، وهو أيضاً السؤال الذي يحتاج إلى أكبر قدر من الدقة. فمن السهل سياسياً قراءة وقوفه إلى جانب أباسكال على أنه تبنٍّ لموقف إسباني متشدد في ملف سبتة.
ومع ذلك، فإن السياسة لا تُقرأ بالكلمات وحدها. فاختيار المكان والتوقيت والحليف، وكذلك الرسائل التي يحيط بها التحرك، عناصر تكشف عن اتجاهات التقارب السياسي. وفي حالة بارديلا، لا يمكن تجاهل أن الزيارة تمت في سبتة، وأن أباسكال جعل من الدفاع عن السيادة الإسبانية وتشديد الحدود محوراً أساسياً لتحركه.
لذلك، فإن السؤال ليس بالضرورة ما إذا كان بارديلا قد أعلن موقفاً عدائياً من المغرب، بل ما إذا كان مستعداً لمساندة خطاب حليفه الإسباني في قضية تعتبرها الرباط جزءاً من نزاعها التاريخي مع مدريد.
وإذا كان التقارب بين الطرفين سيظل محصوراً في الهجرة والأمن والتعاون بين القوى القومية الأوروبية، فإن اختبار المواقف الحقيقي سيظهر عندما تتحول الشعارات إلى مواقف واضحة بشأن العلاقات مع المغرب، أو عندما تطرح ملفات السيادة والحدود في المؤسسات الأوروبية.
