يونس لقطارني
أعادت الصادرات الجزائرية خارج المحروقات، التي قاربت أربعة مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، فتح ملف إعادة عائدات التصدير بالعملة الصعبة، بعدما حذر الرئيس عبد المجيد تبون من ضعف عودة هذه الأموال إلى البلاد، داعياً المصدرين إلى الالتزام بإعادتها وعدم الاحتفاظ بها في الخارج.
وبينما تعلن السلطات ارتفاع الصادرات وتستهدف بلوغ خمسة مليارات دولار بنهاية السنة، لا تزال المعطيات المتعلقة بالمبالغ المحصلة فعلياً وتلك التي أُعيدت إلى النظام المصرفي غير متاحة بصورة تسمح بقياس حجم الاختلال الذي تحدث عنه الرئيس.
وقال زهير موساوي، المدير المركزي بوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، في تصريح للإذاعة الجزائرية، إن قيمة الصادرات خارج المحروقات ارتفعت بنحو 10 في المائة بين يناير وغشت 2026، مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، لتقترب من أربعة مليارات دولار، فيما تراهن الوزارة على رفع الحصيلة إلى خمسة مليارات دولار مع نهاية العام.
لكن هذه الأرقام تعكس قيمة الصادرات المعلنة، ولا تكشف بالضرورة حجم الأموال التي دخلت البلاد فعلياً. فقد سبق لتبون، خلال لقائه بالمتعاملين الاقتصاديين الأربعاء الماضي، أن حذر من ضعف إعادة عائدات التصدير، رابطاً استمرار دعم الدولة للمصدرين بمدى التزامهم بإرجاع مداخيلهم بالعملة الصعبة.
ولم يحدد الرئيس قيمة المبالغ المعنية أو عدد المصدرين الذين يشملهم الاختلال، مكتفياً بالإشارة إلى أن الأمر يتعلق بأقلية منهم. كما أن تحذيره سبق إعلان حصيلة الصادرات بأربعة أيام، ولم يكن تعليقاً مباشراً على الأرقام التي كشفت عنها وزارة التجارة الخارجية لاحقاً.
أربعة مليارات دولار لا تعني أربعة مليارات دخلت البلاد
تكمن الإشكالية الأساسية في غياب بيانات تفصل بين قيمة السلع والخدمات المصدرة، والمبالغ التي حُصلت فعلياً من الزبائن الأجانب، والعائدات التي أُعيدت إلى الجزائر عبر القنوات المصرفية.
فالتصدير لا يعني بالضرورة تحصيل المقابل المالي فوراً، إذ قد تنص العقود على آجال للأداء، ما يجعل بعض المستحقات المسجلة خلال الأشهر الأولى من السنة غير مستحقة بعد عند نهاية غشت. لذلك، لا يمكن اعتبار كل فارق بين قيمة الصادرات والمبالغ المعادة مخالفة، من دون التحقق من آجال الأداء والتحصيل والقواعد التنظيمية المطبقة على كل عملية.
وفي هذا السياق، عدّل بنك الجزائر قواعد إعادة عائدات التصدير بموجب النظام رقم 26-02 المؤرخ في 23 يوليوز 2026، والمنشور في الجريدة الرسمية يوم 12 غشت. ويحدد النص أجل إعادة العائدات في مدة لا تتجاوز 120 يوماً من شحن السلع أو إنجاز الخدمات، مع إمكانية منح الزبون غير المقيم أجلاً للأداء يصل إلى 180 يوماً، وفق شروط تشمل تأمين ائتمان التصدير وتحديد الأجل صراحة في العقد.
كما ينص التنظيم على إعادة العائدات يوم تحصيلها من الزبون، دون انتظار انقضاء الأجل الأقصى. غير أن تقييم حصيلة الأشهر الثمانية الأولى يقتضي أيضاً مراعاة تاريخ كل عملية والقواعد التي كانت سارية عليها.
أين تنتهي آجال الأداء ويبدأ الاختلال؟
لا تتضمن التصريحات الرسمية المتاحة تفصيلاً للمبالغ التي حُصلت ولم تُعد، أو المستحقات التي تجاوزت آجالها، أو تلك التي لم يحل موعد أدائها بعد. كما لا توضح ما إذا كانت الاختلالات التي تحدث عنها تبون مرتبطة بتأخر الزبائن الأجانب في الدفع أم بعدم إعادة أموال جرى تحصيلها بالفعل.
وهذا التمييز أساسي لتحديد طبيعة المشكلة والمسؤوليات المحتملة. فالتأخر في التحصيل يختلف عن الاحتفاظ بعائدات محصلة خارج النظام المصرفي، ولا يكفي التحذير الرئاسي وحده لإثبات تهريب الأموال أو تحديد أسباب التأخر.
كذلك، فإن إعادة عائدات التصدير إلى النظام المصرفي لا تعني تحويلها تلقائياً إلى إيرادات للخزينة العامة، ولا تستلزم بالضرورة تحويلها بالكامل إلى الدينار، إذ تخضع عمليات الإيداع والتصرف في عائدات الصادرات خارج المحروقات والمنتجات المنجمية لقواعد تنظيمية خاصة.
الشفافية تبدأ بنشر الأرقام
تضع هذه المعطيات السلطات الجزائرية أمام حاجة واضحة إلى نشر حصيلة تفصيلية توضح قيمة الصادرات المسجلة، والمبالغ التي حل أجل تحصيلها، وما تم تحصيله فعلياً، والعائدات التي أُعيدت إلى البلاد، فضلاً عن حجم المستحقات المتأخرة والمخالفات المثبتة، إن وجدت.
فارتفاع الصادرات إلى نحو أربعة مليارات دولار يظل مؤشراً على تطور المبيعات الخارجية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حجم العملة الصعبة التي دخلت البلاد أو بقيت خارجها.
وبين الهدف المعلن لرفع الصادرات إلى خمسة مليارات دولار والتحذير الرئاسي من ضعف إعادة العائدات، يبقى السؤال الحاسم هو: كم حُصّل من هذه الأموال، وكم أُعيد فعلياً، وكم تجاوز الآجال القانونية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وحدها كفيلة بتحديد حجم الاختلال، بعيداً عن التخمين أو الخلط بين قيمة الصادرات والعائدات المسترجعة.

