يونس لقطارني
لم تمضِ سوى 48 ساعة على الإعلان عن تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، حتى وجدت الأخيرة نفسها أمام أول أزمة مرتبطة بتعيين أعضائها، بعدما أُعلن، الأحد 18 أكتوبر 2026، عن إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بناءً على طلب تقدمت به رئيسة الحكومة وقبله الملك محمد السادس، طبقاً للفصل 47 من الدستور.
ويُعد هذا التطور أول تغيير بارز في تشكيلة الحكومة الجديدة، وجاء قبل استكمال مسار تنصيبها، ليضع معايير اختيار المسؤولين وآليات التدقيق في ملفات المرشحين أمام اختبار مبكر، ويثير تساؤلات حول الجهات التي تتحمل مسؤولية التحقق من المعطيات ذات الصلة قبل إسناد المناصب الحكومية.
48 ساعة بين التعيين والإعفاء
جاء قرار الإعفاء بعد جدل إعلامي واسع رافق تعيين ماديحة خيير، على خلفية تداول وثائق ومعطيات ذات طابع قضائي وطبي على منصات التواصل الاجتماعي. وأمام اتساع النقاش، أعلنت رئاسة الحكومة أن التعامل مع القضية تم في إطار تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية، وبهدف استكمال تشكيل الحكومة في الظروف المناسبة.
وأوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة، سمير بلفقيه، أن سرعة التعامل مع الملف تندرج ضمن تحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية، مؤكداً أن القرار جاء في سياق تدبير الجدل الذي رافق التعيين.
غير أن سرعة احتواء الأزمة لا تنهي الأسئلة المتعلقة بكيفية وصول اسم الوزيرة إلى التشكيلة الحكومية، وما إذا كانت المعطيات التي أثارت الجدل متاحة قبل تعيينها أم ظهرت لاحقاً.
من يدقق في ملفات المرشحين للمناصب الحكومية؟
تطرح هذه الواقعة سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز شخص الوزيرة المعفاة: ما الإجراءات المعتمدة للتأكد من المعطيات الضرورية قبل تعيين أعضاء الحكومة؟ وما دور الأحزاب التي تقترح المرشحين، ورئاسة الحكومة التي تتولى إعداد التشكيلة، والجهات المختصة التي قد تتدخل في حدود صلاحياتها القانونية؟
فإسناد المسؤوليات الحكومية لا يتعلق بمجرد توزيع الحقائب بين الأحزاب المشكلة للأغلبية، بل يفترض أيضاً الحرص على الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، والتحقق من المعلومات ذات الصلة وفق قواعد واضحة تحترم القانون والحياة الخاصة وقرينة البراءة.
ولا تتوافر، في المعطيات المعلنة، تفاصيل كافية لتحديد ما إذا كانت إجراءات التدقيق قد شابها خلل في هذه الحالة. لكن قصر المدة الفاصلة بين التعيين والإعفاء يجعل مراجعة مسار الاختيار مسألة مشروعة، خصوصاً إذا أظهرت التحقيقات أو المراجعات وجود معطيات كان من الممكن التحقق منها قبل الإعلان عن التشكيلة.
فالمحاسبة لا تعني البحث عن كبش فداء، وإنما تحديد الوقائع، ومعرفة ما كان متاحاً من معلومات، وتقييم الإجراءات التي اتُّخذت، ثم ترتيب المسؤوليات إذا ثبت وجود تقصير أو إخلال.
المنصوري أمام اختبار المسؤولية السياسية
بصفتها رئيسة للحكومة، تتحمل فاطمة الزهراء المنصوري مسؤولية سياسية عن التشكيلة التي تقترحها، في إطار الاختصاصات التي يحددها الدستور. ومن ثم، فإن هذه الواقعة تضع آليات إعداد التشكيلة الحكومية ومراجعة ملفات المرشحين أمام نقاش يستدعي الوضوح وتحديد المسؤوليات.
ولا يعني ذلك افتراض أن رئاسة الحكومة أو الحزب الذي اقترح الوزيرة كان على علم مسبق بكل ما جرى تداوله، بل إن المطلوب هو معرفة الإجراءات التي سبقت التعيين، ومدى وجود آليات للتعامل مع المعلومات الجديدة عندما تظهر.
كما أن الإعفاء، وإن كان قد أنهى الجدل المرتبط باستمرار الوزيرة في منصبها، لا يغني وحده عن استخلاص الدروس المتعلقة بكيفية اختيار المسؤولين، وضمان ألا تتحول التعيينات الحكومية إلى قرارات تتطلب تصحيحاً عاجلاً بعد الإعلان عنها.
الثقة في المؤسسات تبدأ من جودة الاختيار
تكشف هذه الواقعة أهمية إرساء معايير واضحة للتدقيق في ملفات المسؤولين، وتحديد اختصاصات الجهات المعنية، ووضع آليات للتعامل مع المعطيات التي قد تظهر قبل التعيين أو بعده، مع احترام الحقوق القانونية للأشخاص المعنيين.
فالمطلوب ليس تحويل التعيينات إلى محاكمات مسبقة، ولا استبعاد المرشحين بناءً على اتهامات غير مثبتة، وإنما ضمان أن تستند القرارات إلى معلومات موثوقة وإجراءات شفافة، وأن تتم مراجعة أي اختلالات محتملة وفق القانون.
وبالنسبة إلى الحكومة الجديدة، يشكل هذا التطور اختباراً مبكراً لقدرتها على تحويل الأزمة إلى فرصة لتطوير آليات الاختيار وتعزيز الشفافية، بدلاً من الاكتفاء بإنهاء مهام المسؤولة المعنية وترك الأسئلة المتعلقة بالإجراءات السابقة معلقة.

