بقلم: أيمن الوليدي
متى تنهض عدن من جديد؟ ومتى تستعيد مكانتها الاقتصادية والتجارية لتنافس مدنًا عالمية مثل سنغافورة ودبي؟ ومتى تعود تلك المدينة العريقة إلى ألقها الذي عرفته في ستينيات القرن الماضي، حين كانت منارةً تجاريةً وثقافيةً بارزة في الجزيرة العربية، ومحطةً مهمة على خطوط الملاحة والتجارة الدولية؟
إن الحديث عن عدن ليس حديثًا عن مدينة عادية، بل عن تاريخ عريق وموقع استراتيجي فريد وإمكانات اقتصادية كبيرة. فهي المدينة التي وهبتها الجغرافيا موقعًا استثنائيًا بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وجعلت من مينائها عبر التاريخ نقطة جذب للتجارة والملاحة وحركة السفن بين الشرق والغرب.
لكن، ويا للأسف، أثقلت الصراعات والتحولات السياسية المتعاقبة كاهل هذه المدينة، وألقت بظلالها على مسيرتها التنموية، حتى أصبحت إمكاناتها الكبيرة أبعد من واقعها المعيشي والخدمي. فبينما تتسابق مدن العالم نحو التطور والتحديث، لا تزال عدن تواجه تحديات أساسية في البنية التحتية والخدمات العامة والكهرباء والمياه والصرف الصحي، وهي مقومات يفترض أن تكون أساسًا لأي نهضة حضرية واقتصادية.
لماذا تأخر قطار التنمية في عدن؟
سؤال يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم تستثمر عدن موقعها الجغرافي ومقوماتها الطبيعية والتجارية بالشكل الذي يليق بمكانتها؟ ولماذا لم تتحول هذه المدينة، بما تمتلكه من ميناء وموقع بحري ومقومات سياحية واقتصادية، إلى مركز إقليمي مزدهر يضاهي التجارب التنموية الناجحة في المنطقة والعالم؟
إن المقارنة بين عدن وسنغافورة ودبي ليست مجرد مقارنة بين مدن، بل هي دعوة إلى التأمل في كيفية تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وكيف يمكن للإدارة الفاعلة والاستقرار السياسي والتخطيط طويل الأمد أن تصنع الفارق في حياة الشعوب.
فالموقع وحده لا يصنع النهضة، مهما بلغت أهميته، وإنما يحتاج إلى رؤية واضحة، ومؤسسات فاعلة، وبيئة جاذبة للاستثمار، وبنية تحتية حديثة، وإدارة كفؤة تضع مصلحة المدينة وسكانها فوق المصالح الضيقة.
ونحن اليوم في عام 2026، لا يزال أبناء عدن يتطلعون إلى مدينة تليق بتاريخها ومكانتها، مدينة تتوافر فيها الخدمات الأساسية، وتُصان فيها كرامة المواطن، وتُفتح فيها أبواب العمل أمام الشباب، وتعود فيها الحركة التجارية والسياحية إلى مستوى يعكس ما تمتلكه من إمكانات. وليس من المقبول أن تبقى أحلام التنمية مؤجلة، بينما تتراكم احتياجات السكان وتتعاظم التحديات اليومية.
عدن لا تستحق كل هذا التأخير.
إنها تستحق أن تكون مدينة حديثة، بميناء متطور، وشوارع منظمة، وخدمات مستقرة، ومشروعات استثمارية منتجة، ومؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة. وتستحق أن يستعيد أبناؤها الثقة بالمستقبل، وأن يروا في مدينتهم فرصة للحياة والعمل والإبداع، لا مجرد مكان يصارعون فيه لتأمين أبسط احتياجاتهم.
غير أن استعادة مكانة عدن لن تتحقق بالأمنيات وحدها، ولا بالشعارات التي تتكرر في المناسبات، بل بخطوات عملية تبدأ بترسيخ الأمن والاستقرار، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وتأهيل الميناء والبنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، وحماية المال العام، وتوفير بيئة عادلة تتيح للكفاءات الوطنية المشاركة في بناء المدينة.
كما أن عدن بحاجة إلى نخبة وطنية واعية، محبة لهذه المدينة، تؤمن بأن مستقبلها أكبر من الخلافات والصراعات، وتدرك أن مسؤولية البناء لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تتطلب تعاون المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني وأبناء المدينة جميعًا.
فمتى تستقر عدن لتستعيد مكانتها التي تستحقها؟
سؤال سيظل حاضرًا في وجدان كل من يحب هذه المدينة، حتى يرى تحولًا حقيقيًا ينقلها من واقع التحديات إلى آفاق التنمية والازدهار. فعدن ليست فقيرة بالمقومات، لكنها بحاجة إلى إدارة تستثمر إمكاناتها، واستقرار يحمي مستقبلها، وإرادة وطنية تجعل مصلحة الإنسان والمدينة أولوية لا تقبل التأجيل.
ستظل عدن أمّ المدائن، بما تحمله من تاريخ وذاكرة وهوية، وسيظل الأمل قائمًا في أن تستعيد بريقها، وأن تصبح يومًا مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا إقليميًا يشار إليه بالبنان.
عدن لا ينقصها الموقع، ولا التاريخ، ولا الطموح؛ بل تحتاج إلى أن تتوقف الصراعات، وتبدأ مرحلة البناء الحقيقي، حتى تستعيد مكانتها بين مدن العالم.

