يونس لقطارني
لم يكن طرح مسألة الحدود النهائية والدائمة خلال المفاوضات المتعلقة بالصحراء المغربية تفصيلاً تقنياً عابراً. فحين تعود مدينة لكويرة إلى واجهة النقاش بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تروم البحث عن تسوية للنزاع، يصبح السؤال مشروعاً: هل يتعلق الأمر بمطلب قانوني لتوضيح الحدود، أم بمحاولة لتحويل ملف ترابي حساس إلى ورقة تفاوض لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية؟

وبحسب ما أوردته مجلة «جون أفريك»، تسعى موريتانيا إلى الحصول على اعتراف بسيادتها على لكويرة، الواقعة في أقصى جنوب الصحراء، في سياق المفاوضات الجارية بشأن مستقبل المنطقة. وإذا تأكد هذا التوجه، فإن الأمر لن يتعلق بمجرد خلاف حول نقطة جغرافية، بل بملف شديد الحساسية يتقاطع فيه التاريخ والسيادة والأمن والمصالح الاقتصادية للبلدين.
لكن المعطى الرسمي الذي يمكن الاستناد إليه حتى الآن أكثر تحديداً من الروايات المتداولة: تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2026 أشار إلى أن موريتانيا دعت، خلال جولات المفاوضات، إلى تشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه بصورة توافقية. ولم يحدد التقرير لكويرة باعتبارها موضوع الطلب حصراً، كما لم يعلن عن اتفاق يمنح موريتانيا السيادة على المدينة مقابل تغيير موقفها من قضية الصحراء.
ورقة ضغط في توقيت حساس؟
تنبع حساسية الخطوة من توقيتها. فالمفاوضات بشأن الصحراء دخلت مرحلة تتزايد فيها أهمية التفاصيل العملية لأي تسوية محتملة، من الترتيبات السياسية والمؤسساتية إلى الضمانات الأمنية وتحديد الحدود. وفي مثل هذا السياق، يمكن لأي طرف أن يسعى إلى طرح الملفات التي يعتبرها مرتبطة بأمنه القومي أو بمصالحه الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، يبرز احتمال أن تكون نواكشوط بصدد توظيف ملف لكويرة لتعزيز موقعها التفاوضي، أو للحصول على ضمانات تتصل بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية. غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام صريح بالابتزاز السياسي يظل سابقاً لأوانه، ما لم تظهر أدلة واضحة على وجود مقايضة محددة أو شروط متبادلة بين السيادة على المدينة والموقف الموريتاني من النزاع.
فهل تريد موريتانيا حسم وضع حدودي ظل معلقاً لعقود، أم أنها تسعى إلى استثمار الظرف الدبلوماسي الحالي لتحسين شروطها في أي ترتيب إقليمي مقبل؟ لا يقدم المعطى الأممي وحده جواباً حاسماً، لكنه يؤكد أن ملف الحدود أصبح جزءاً من النقاش السياسي، بعدما ظل بعيداً عن واجهة المفاوضات لسنوات طويلة.
بين التفاوض المشروع وتصفية الحسابات
من حق الدول أن تطرح المسائل الحدودية التي تعتبرها عالقة، وأن تسعى إلى ضمان أمنها ومصالحها عبر القنوات الدبلوماسية. لكن حساسية ملف مثل لكويرة تفرض وضوحاً أكبر بشأن المقصود من المطالبة بتحديد الحدود، والأسس القانونية التي تستند إليها، والنتائج التي يراد الوصول إليها.
أما إذا تحولت المسألة إلى ربط مصير منطقة ترابية بمواقف سياسية من نزاع إقليمي، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة التفاهمات التي يجري التفاوض بشأنها، ومدى احترامها لمبادئ السيادة والتوافق والاستقرار بين الجيران.
وفي المقابل، لا يخدم التصعيد الإعلامي أو إطلاق اتهامات غير مثبتة توضيح حقيقة الموقف الموريتاني، بل قد يعقّد النقاش ويضع العلاقات الثنائية تحت ضغط غير ضروري. فالمطلوب هو التمييز بين ما ورد رسمياً في تقرير الأمم المتحدة، وما تنقله وسائل الإعلام، وما يظل مجرد استنتاج سياسي.
في النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت لكويرة ستبقى على وضعها الحالي أو ستدخل ضمن ترتيبات جديدة، بل بما إذا كانت المفاوضات ستفضي إلى حل واضح ومتوافق عليه، أم ستفتح الباب أمام تنافس جديد حول الحدود والنفوذ والمصالح الاقتصادية. وبين احتمال التفاوض المشروع وشبهة توظيف الملف كورقة ضغط، ستظل الإجابات رهينة ما ستكشفه المواقف الرسمية والتفاهمات الفعلية خلال المرحلة المقبلة.

