يونس لقطارني
ليس من السهل إقناع عامل يقضي يومه في منجم، أو موظف يكدح لساعات طويلة مقابل أجر بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية، بأن العالم يسير وفق ميزان عادل، بينما يجني لاعب كرة قدم أو مغنٍّ أو عارضة أزياء ملايين الدولارات سنوياً، وتراكم الشركات العملاقة والمليارديرات ثروات تتجاوز ميزانيات دول بأكملها. ليست المشكلة في نجاح الأفراد أو حقهم في الثراء، بل في نظام اقتصادي تتسع داخله الفجوة بين من يملكون الثروة ومن يصنعونها، حتى أصبح التفاوت الاجتماعي أحد أبرز مصادر الاحتقان في المجتمعات الحديثة.
أي منطق يمكنه تبرير اتساع هذه الهوة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، وترتفع تكاليف السكن والطاقة والغذاء، بينما تزداد أرباح الاحتكارات وتتضخم ثروات أصحاب النفوذ؟ وأي عدالة اجتماعية يمكن الحديث عنها حين تصبح خدمات التعليم والصحة والنقل رهينة حسابات الميزانية، فيما تتحمل الطبقات المتوسطة والفقيرة قسطاً متزايداً من الأعباء الضريبية وتكاليف الأزمات؟
إن جوهر الأزمة لا يكمن في وجود تفاوت اقتصادي فحسب، بل في تحوّل هذا التفاوت إلى واقع يصعب تغييره، وفي شعور متنامٍ لدى قطاعات من المواطنين بأن القواعد التي تحكم الاقتصاد والسياسة لا تعمل بالقدر نفسه لصالح الجميع.
أوروبا.. حين تتآكل الثقة في دولة الرفاه
لا يمكن اختزال الاحتجاجات التي تشهدها المجتمعات الأوروبية في قضية الهجرة، أو في أعمال الشغب التي قد ترافق بعض التحركات، أو في تصاعد خطاب اليمين المتطرف. فخلف هذه الظواهر تتراكم أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل دولة الرفاه، والقدرة على الحفاظ على مستوى المعيشة، وحدود التوازن بين الالتزامات الاجتماعية والإنفاق العام.
لقد كشفت الأزمات المتعاقبة، من تداعيات جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات أسواق الطاقة، عن هشاشة جوانب من النموذج الاقتصادي الأوروبي. وواجهت الأسر ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، فيما اضطرت الحكومات إلى الموازنة بين دعم المواطنين، وتمويل الخدمات العامة، والإنفاق الدفاعي، والالتزامات الدولية.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول الأوروبية اتبعت السياسات نفسها، أو أن دعم أوكرانيا هو المسؤول وحده عن الضغوط الاقتصادية. فالأزمة أكثر تعقيداً، وترتبط أيضاً بالتضخم وأزمة السكن والاختلالات الهيكلية في أسواق العمل والطاقة، فضلاً عن خيارات اقتصادية وسياسية تختلف من دولة إلى أخرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي حد تستطيع الديمقراطيات الأوروبية الحفاظ على ثقة مواطنيها إذا استمر الشعور بأن تكاليف الأزمات توزّع بصورة غير متكافئة، وأن الفئات الأقل دخلاً مطالبة دائماً بالتكيف مع قرارات لا تملك تأثيراً حقيقياً في صياغتها؟
إن الخطر لا يتمثل فقط في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بل في تراجع الثقة بالمؤسسات، وهيمنة الشعور بالعجز، وفتح المجال أمام قوى سياسية تستثمر الغضب الاجتماعي وتوجهه أحياناً نحو المهاجرين والأقليات بدلاً من مناقشة الأسباب الاقتصادية والمؤسساتية للأزمة.
المهاجرون ليسوا تفسيراً جاهزاً لكل الأزمات
عندما ترتفع البطالة أو تتفاقم أزمة السكن أو تتراجع جودة الخدمات العامة، يصبح المهاجر هدفاً سهلاً في الخطاب السياسي الشعبوي. فبدلاً من مساءلة السياسات الاقتصادية، أو تقييم كفاءة الحكومات، أو بحث أثر الاحتكار وتوزيع الموارد، يجري أحياناً تقديم الأجانب باعتبارهم سبباً مباشراً لكل المشكلات.
لا يعني ذلك إنكار التحديات المرتبطة بتدبير الهجرة واللجوء، أو تجاهل الجرائم وأعمال العنف التي يرتكبها بعض الأفراد، بل يعني رفض تحويل الحالات الفردية إلى أحكام جماعية، أو استخدام الهوية القومية والدينية للتغطية على إخفاقات السياسات العامة.
إن المجتمعات التي تريد معالجة أزماتها تحتاج إلى نقاش جاد بشأن فرص العمل والسكن والأمن والاندماج، لا إلى صناعة عدو داخلي تتجمع حوله المخاوف. كما أن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يتعارض مع المطالبة بأمن المواطنين، تماماً كما أن مكافحة الجريمة لا تبرر التمييز على أساس الأصل أو الدين.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن تتحول الهجرة إلى وسيلة لصرف الأنظار عن سؤال العدالة الاجتماعية، ولا أن تصبح المخاوف المشروعة للمواطنين وقوداً لمشاريع سياسية تقوم على الاستقطاب والكراهية.
أزمة الوعي أم أزمة المؤسسات؟
من السهل تعليق إخفاقات المجتمعات العربية على شماعة الموروث، أو الغيبيات، أو ثقافة التلقين، أو توظيف الدين والمذهب في الصراعات السياسية. وهذه عوامل قد تستحق النقد حين تتحول إلى أدوات لتعطيل التفكير أو تبرير الاستبداد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الأزمات المتراكمة.
فالوعي لا يتشكل في الفراغ. إنه نتاج المدرسة والجامعة والإعلام، واستقلال المؤسسات، وحرية التفكير والنقاش، وعدالة الفرص، وإمكانية انتقال المواطن من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صنع القرار.
وحين يُحرم الإنسان من تعليم جيد، ويجد أبواب العمل مغلقة، ويعيش في ظل مؤسسات لا يشعر بأنها تستجيب لمطالبه، فإن مطالبتَه بتغيير عقليته وحدها تصبح نوعاً من التهرب من مسؤولية السياسات العامة.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته عن مقاومة التضليل، ورفض الطائفية، ومساءلة النخب، وتطوير ثقافة سياسية تقوم على الحقوق والواجبات، لا على الولاءات العمياء أو الشعارات التعبوية.
إن بناء الإنسان يحتاج إلى تعليم ينمي التفكير النقدي، وثقافة تحترم العلم، وإعلام يميز بين الخبر والدعاية، وقضاء مستقل، ومؤسسات تسمح بالمحاسبة والتداول السلمي للسلطة. ومن دون هذه الشروط، قد يتحول الحديث عن الوعي إلى خطاب أخلاقي جميل لا يغير شيئاً في الواقع.
الحروب.. من يدفع الفاتورة؟
تطرح الحروب بدورها سؤالاً مركزياً بشأن العلاقة بين القرار السياسي والكلفة الاجتماعية. فالحروب لا تستهلك الأرواح والموارد فحسب، بل تعيد توزيع الأعباء الاقتصادية، وترفع الإنفاق العسكري، وتؤثر في أسعار الطاقة والغذاء، وتضع الحكومات أمام اختيارات صعبة بشأن أولويات الإنفاق العام.
وفي الحرب الروسية الأوكرانية، تحملت دول أوروبية تكاليف اقتصادية وأمنية مرتبطة بتداعيات الصراع، إلى جانب التزاماتها بدعم كييف. لكن القول إن الولايات المتحدة والصين هما المستفيدان الوحيدان من الحرب يتجاهل تعقيدات المصالح الدولية وتباين المكاسب والخسائر بين الدول والقطاعات الاقتصادية.
المسألة الأهم هي مدى خضوع القرارات المتعلقة بالحرب والسلم والإنفاق العسكري للنقاش الديمقراطي، ومدى شفافية الحكومات في توضيح تكاليف خياراتها، والجهات التي تتحمل أعباءها، والنتائج التي تسعى إلى تحقيقها.
فليس مقبولاً أن تتحول الضرورات الأمنية إلى مبرر مفتوح لتهميش المطالب الاجتماعية، كما لا يصح تجاهل التهديدات الأمنية الحقيقية أو افتراض أن كل إنفاق دفاعي لا يخدم سوى مصالح الشركات.
إن المطلوب هو ميزان واضح للمساءلة، يجعل المواطن قادراً على معرفة أين تذهب أمواله، ولماذا تتخذ حكومته قراراتها، وما إذا كانت تلك القرارات تحقق أهدافها المعلنة.
الرأسمالية ليست قدراً.. والديمقراطية ليست ضمانة كافية
لقد أثبتت التجربة أن وجود الانتخابات والتعددية السياسية لا يمنع تلقائياً الاحتكار، أو اتساع الفوارق الاجتماعية، أو نفوذ جماعات المصالح. فالديمقراطية لا تُقاس بصناديق الاقتراع وحدها، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص، وإخضاع السلطة والثروة للمساءلة.
كما أن نقد الرأسمالية المتوحشة لا يستلزم رفض المبادرة الفردية أو إلغاء السوق، بل يفتح النقاش بشأن حدود السلطة الاقتصادية، وضرورة المنافسة العادلة، وفرض الضرائب بصورة منصفة، ومكافحة التهرب والاحتكار، وتوفير خدمات عامة ذات جودة.
فالثروة التي لا يواكبها استثمار اجتماعي عادل قد تتحول إلى مصدر للتوتر، والنمو الاقتصادي الذي لا ينعكس على حياة المواطنين قد يفقد معناه السياسي والاجتماعي. وفي المقابل، فإن دولة الرفاه لا تستطيع الاستمرار من دون اقتصاد منتج، ومؤسسات فعالة، وسياسات مالية قابلة للاستدامة.
المعادلة ليست بين الثراء والفقر فحسب، بل بين اقتصاد يتيح الفرص ويوزع الأعباء بصورة عادلة، واقتصاد تتراكم فيه الامتيازات بينما تتحمل الأغلبية تكاليف الاختلالات.
الخلاصة: العدالة تبدأ ببناء الإنسان ومحاسبة السلطة
إن ما تواجهه أوروبا اليوم لا يمكن اختزاله في الهجرة أو اليمين المتطرف أو أزمة أوكرانيا، كما لا يمكن تفسير الأزمات العربية بالموروث الثقافي وحده. ففي الحالتين، تتداخل المصالح الاقتصادية مع الخيارات السياسية، وتؤثر قوة المؤسسات في قدرة المجتمعات على احتواء الغضب ومنع تحوله إلى عنف.
والفرق بين مجتمع وآخر لا يُقاس فقط بمستوى التكنولوجيا أو حجم الاقتصاد، بل أيضاً بمدى احترام الإنسان، وقدرة المواطن على محاسبة الحاكم، واستقلال القضاء، وجودة التعليم، وفاعلية الخدمات العامة، وضمان الحق في الاحتجاج دون خوف من القمع.
إن بناء الإنسان ليس شعاراً تربوياً منفصلاً عن السياسة والاقتصاد؛ إنه مشروع متكامل يبدأ من المدرسة، لكنه لا يكتمل إلا حين تصبح الكرامة حقاً مضموناً، والقانون مرجعاً للجميع، والثروة مسؤولية اجتماعية، والسلطة خاضعة للمساءلة.

