يونس لقطارني – اسبانيا
لم تكن لحظة وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة، بل لحظة سياسية تحمل دلالة تتجاوز الشخص إلى صورة جديدة للقيادة في المغرب. ففي 29 سبتمبر 2026، عيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.

ومنذ إعلان التعيين، يفرض اسم أنغيلا ميركل نفسه في المقارنة. ليس لأن المنصوري أصبحت، بمجرد تعيينها، نسخة مغربية من المستشارة الألمانية السابقة، وإنما لأن المغرب وضع امرأة ذات مسار سياسي طويل على رأس السلطة التنفيذية، كما حدث في ألمانيا عندما أصبحت ميركل سنة 2005 أول امرأة تقود الحكومة الألمانية، قبل أن تستمر في المنصب 16 عاماً، إلى غاية 2021.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تشبه المنصوري ميركل؟ بل هل تستطيع أن تصنع مساراً سياسياً يجعل المقارنة بها منطقية؟
من مراكش إلى الرباط
تملك المنصوري، قبل وصولها إلى رئاسة الحكومة، رصيداً سياسياً لا يبدأ من البرلمان أو الوزارة فقط. فقد كانت رئيسة لمجلس جماعة مراكش، وشغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، كما تولت أدواراً قيادية داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

وتأتي رئاسة الحكومة بعد مسار طويل داخل الحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية الأخيرة بـ97 مقعداً من أصل 395، ما يجعل المنصوري أمام مهمة أولى شديدة الحساسية: تحويل الانتصار الانتخابي إلى أغلبية حكومية قادرة على الاستمرار.
وهنا تبدأ أولى نقاط الاختبار.
ميركل لم تكن مجرد امرأة وصلت إلى المستشارية، بل أصبحت مع الوقت خبيرة في إدارة التوازنات السياسية والائتلافات. أما المنصوري، فتصل إلى رئاسة الحكومة وهي مطالبة منذ الأيام الأولى بالتفاوض مع أحزاب أخرى لتشكيل أغلبية، في مشهد يجعل قدرتها على إدارة الشركاء السياسيين عاملاً أساسياً في مستقبل تجربتها.

«ميركل المغرب» ليست مسألة جنس
قد تبدو المقارنة بين المرأتين مغرية بسبب كونهما أول امرأتين تصلان إلى قيادة الحكومة في بلديهما، لكن اختزال التشابه في هذا العامل سيكون سطحياً.
ما جعل ميركل حالة سياسية خاصة لم يكن كونها امرأة فقط، بل قدرتها على البقاء في مركز القرار لسنوات طويلة، وإدارة حكومات ائتلافية، والتعامل مع الأزمات والتناقضات داخل المشهد السياسي الألماني.
ولهذا فإن التحدي أمام المنصوري سيكون أكبر من كسر حاجز تاريخي.
السؤال سيكون: هل تستطيع أن تتحول من أول امرأة تترأس الحكومة المغربية إلى رئيسة حكومة تفرض أسلوبها السياسي الخاص؟
فالتاريخ يسجل لحظة التعيين، لكنه لا يصنع وحده الزعامة.
الاختبار يبدأ من التحالفات
لا يملك حزب الأصالة والمعاصرة أغلبية مطلقة في البرلمان، ولذلك فإن الحكومة المقبلة ستولد من رحم مفاوضات سياسية مع أحزاب أخرى. وقد أعلنت المنصوري استعدادها للتفاوض، مؤكدة أن العمل سيبدأ مباشرة بعد تكليفها.
وهنا يمكن أن يظهر الفارق بين رئيس حكومة يدير تحالفاً ورئيس حكومة يقود تحالفاً.
فإذا تمكنت المنصوري من بناء أغلبية متماسكة، وتجنب الخلافات التي قد تحول الحكومة إلى مجرد تجميع حسابي للأحزاب، فإن ذلك سيكون أول مؤشر على قدرتها على ممارسة قيادة سياسية مستقلة.
أما إذا أصبحت المفاوضات الحكومية مجرد سباق على الحقائب والقطاعات، فقد تجد نفسها أمام واحدة من أصعب مهام المرحلة: المحافظة على تماسك حكومة متعددة المصالح والتوجهات.
الاقتصاد.. الامتحان الأصعب
بعيداً عن الرمزية التاريخية، تنتظر المنصوري ملفات أكثر صعوبة من تشكيل الحكومة.
القدرة الشرائية، التشغيل، الفوارق الاجتماعية، إصلاح الإدارة، الاستثمار، وتحسين الخدمات العمومية ستكون أمام حكومة مطالبة بتحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة.

كما أن المرحلة المقبلة مرتبطة بملفات استثمارية ضخمة واستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، وهو ما يضع الحكومة أمام سباق بين تسريع المشاريع والحفاظ على التوازنات المالية والاجتماعية. وتشير تقارير دولية إلى أن الحكومة الجديدة ستواجه أيضاً تحديات اقتصادية واجتماعية، إلى جانب الإعداد للاستحقاقات المرتبطة بمونديال 2030.
وهنا أيضاً تكمن إحدى أهم الفوارق مع ميركل: المنصوري لا تدخل إلى مرحلة عادية، بل إلى مرحلة تحمل رهانات اقتصادية واجتماعية ودولية كبيرة.
المرأة التي وصلت إلى القمة..
وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة يحمل رسالة رمزية قوية في بلد لم تسبق أن قادت فيه امرأة الحكومة منذ الاستقلال.
لكن نجاح التجربة لن يقاس بعدد النساء في الصور الرسمية، ولا بعدد المناصب التي ستشغلها النساء داخل الحكومة، وإنما بقدرة رئيسة الحكومة على إدارة الدولة وتحقيق نتائج في الملفات التي تمس حياة المغاربة اليومية.

وهذا تحديداً ما يجعل تجربة المنصوري أكبر من مجرد قصة «أول امرأة».
إنها أمام فرصة لتأسيس نموذج جديد للقيادة السياسية النسائية في المغرب، لكن هذه الفرصة تحمل معها مسؤولية مضاعفة: نجاحها سيُقرأ سياسياً باعتباره نجاحاً لحكومتها، بينما سيحظى فشلها، على الأرجح، بقراءة رمزية إضافية لأنها أول امرأة تتولى المنصب.
ميركل أم المنصوري؟
المقارنة مع ميركل يمكن أن تكون مفيدة، لكنها تصبح مضللة إذا تحولت إلى محاولة لإعادة إنتاج التجربة الألمانية في المغرب.
فميركل كانت نتاجاً لبيئة سياسية ألمانية مختلفة، ونظام حزبي مختلف، وسياق اقتصادي وأوروبي خاص. أما المنصوري فتتحرك داخل النظام السياسي والمؤسساتي المغربي، وتصل إلى رئاسة الحكومة من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة ونتائج انتخابات 2026.
لذلك، قد لا يكون المطلوب أن تصبح المنصوري «ميركل المغرب».
الأهم أن تصبح فاطمة الزهراء المنصوري نفسها.
فإذا استطاعت بناء أغلبية مستقرة، وإدارة التوازنات داخل الحكومة، وتحويل البرنامج الحكومي إلى سياسات ملموسة، والحفاظ على حضور سياسي متماسك في مواجهة الأزمات، فقد يصبح تشبيهها بميركل مفهوماً بعد سنوات، لا بعد يوم واحد من تعيينها.

أما الآن، فكل ما يمكن قوله بثقة هو أن المغرب دخل مرحلة سياسية جديدة: امرأة تقف للمرة الأولى على رأس الحكومة، وتحمل معها تجربة في المحاماة والانتخاب والتدبير المحلي والوزارة وقيادة الحزب.
ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
ميركل احتاجت 16 عاماً لتصنع اسمها في التاريخ الألماني. المنصوري حصلت الآن فقط على فرصة كتابة الفصل الأول من تاريخها في المغرب.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون رئاسة المنصوري مجرد سابقة تاريخية، أم بداية لزعامة سياسية طويلة تجعل «ميركل المغرب» اسماً يصف مساراً كاملاً، لا مجرد تشبيه صحفي؟

