يونس لقطارني
لم تكن وفاة بوعلام بوعلام، مدير ديوان رئاسة الجمهورية، مجرد خبر عابر في المشهد السياسي الجزائري. الرجل الذي شغل موقعًا بالغ الحساسية داخل قصر المرادية، وكان من أبرز المقربين من الرئيس عبد المجيد تبون، رحل يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 داخل مستشفى في جنيف، حيث كان يتلقى العلاج من مرض عضال، وفق ما أعلنته رئاسة الجمهورية ونقلته وكالة الأنباء الجزائرية.
لكن رحيل الرجل الذي كان يمسك بملفات شديدة الحساسية في مؤسسة الرئاسة جاء في توقيت سياسي يجعل وفاته محط اهتمام واسع، ويفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز النعي الرسمي إلى طبيعة المرحلة المقبلة داخل دوائر الحكم.
رجل الملفات الحساسة
لم يكن بوعلام بوعلام شخصية هامشية داخل منظومة الرئاسة. فبحسب المعطيات المنشورة عنه، شغل منصب مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلفًا بالشؤون القانونية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والاعتمادات، قبل أن يتولى رئاسة ديوان الرئاسة في نوفمبر 2023. وكان كذلك عضوًا في مجلس الأمة بين عامي 2007 و2012.
هذا المسار جعله قريبًا من الملفات التي تتقاطع فيها السياسة والقانون والمؤسسات، كما وضعه في موقع يسمح له بالاطلاع على جزء مهم من آليات صناعة القرار داخل قصر المرادية.
ولهذا تحديدًا، فإن غيابه يطرح سؤالًا أساسيًا: من سيملأ الفراغ الذي تركه، ومن ستكون له الكلمة في الملفات التي كانت تمر عبر مكتبه؟
الرواية الرسمية
الرواية الرسمية حتى الآن لا تتحدث عن اغتيال ولا عن حادث أمني.رئاسة الجمهورية أعلنت أن بوعلام بوعلام توفي في مستشفى بجنيف، حيث كان يتلقى العلاج، إثر إصابته بمرض عضال. ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون الجزائري الرواية نفسها.
لكن بالتوازي مع ذلك، ظهرت على منصات التواصل وبعض القنوات الإلكترونية روايات غير موثقة تتحدث عن ظروف مختلفة للوفاة، وتربطها بصراعات داخل مراكز القرار.
رواية الاغتيال.. ماذا نعرف؟
منذ الإعلان عن الوفاة، بدأت تتداول رواية تزعم أن بوعلام بوعلام تعرض لعملية اغتيال، وتذهب الرواية المتداولة إلى أبعد من ذلك، إذ تربط العملية بصراع مزعوم بين بوعلام بوعلام وقائد أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة.
كما تتحدث هذه الروايات عن تسجيلات يُقال إن بوعلام كان يحتفظ بها، وتتضمن – وفق الادعاءات المتداولة – معلومات يمكن أن تكون محرجة لعدد من الشخصيات النافذة.
لماذا تثير الوفاة كل هذه الأسئلة؟
لأن بوعلام بوعلام لم يكن مجرد موظف إداري في الرئاسة.كان مديرًا لديوان رئيس الجمهورية، أي في موقع قريب جدًا من مركز القرار، وكان بحكم منصبه مطلعًا على ملفات واتصالات ومسارات داخلية لا تكون عادة متاحة للرأي العام.
كما أن منصبه جعله جزءًا من شبكة العلاقات السياسية والمؤسساتية المحيطة بالرئيس تبون.
ولهذا فإن رحيله يفتح تلقائيًا سؤالًا حول ميزان القوى داخل الرئاسة نفسها، خصوصًا إذا كانت هناك بالفعل ملفات خلافية بين مختلف مراكز القرار.
تبون وشنقريحة.. والسؤال الأصعب
الحديث عن وجود صراع بين الرئاسة وقيادة الجيش ليس جديدًا في النقاشات السياسية والإعلامية الجزائرية، وتداولت خلال الأشهر الماضية مواد إعلامية ومنشورات على الإنترنت تربط اسم بوعلام بوعلام بملفات سياسية حساسة وبالعلاقة مع المؤسسة العسكرية.
ومن بين ما ظهر في هذا السياق مواد إعلامية تتناول علاقة اسم بوعلام بوعلام بموضوع شنقريحة، ما يعكس حجم الاهتمام الذي أحاط بالشخصية.
ماذا بعد بوعلام بوعلام؟
السؤال الآن لا يتعلق فقط بسبب الوفاة، وإنما أيضًا بما سيحدث داخل مؤسسة الرئاسة بعد غياب أحد أبرز رجالها.
من سيخلفه؟
وهل سيحافظ الرئيس تبون على التركيبة الحالية لديوانه؟
وهل ستؤدي وفاة بوعلام إلى إعادة توزيع بعض الملفات الحساسة داخل الرئاسة؟
ثم هناك السؤال الأكثر حساسية: هل ستتوقف الروايات المتداولة عند حدود الشائعات، أم ستظهر خلال الأيام المقبلة معطيات أو وثائق أو تحقيقات تغير الصورة؟
في السياسة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمراكز القرار المغلقة، يمكن لحدث واحد أن يغير شبكة التوازنات بأكملها.
بين الحقيقة والشائعة
حتى هذه اللحظة، هناك حقيقتان منفصلتان ينبغي عدم الخلط بينهما.
الأولى ثابتة وموثقة: بوعلام بوعلام توفي في مستشفى بجنيف أثناء تلقيه العلاج من مرض عضال، وفق الرواية الرسمية الجزائرية.
أما الثانية فهي مجموعة من الادعاءات التي تتحدث عن اغتيال وتصفية سياسية وتسجيلات سرية وصراع مع قيادة الجيش.
وبين الرواية الرسمية والروايات المتداولة، تبقى الأسئلة مفتوحة.
رحل بوعلام بوعلام، لكن برحيله قد تكون أبواب كثيرة داخل قصر المرادية قد فُتحت على أسئلة جديدة.
والسؤال الذي ينتظر الجزائريون إجابته ليس فقط: لماذا رحل؟
بل أيضًا:
ماذا سيحدث داخل قصر المرادية بعد رحيله؟ ومن سيملأ الفراغ الذي تركه الرجل الذي كان يجلس في قلب صناعة القرار؟

