يونس لقطارني
لم يعد السؤال المحرج هو ماذا يناقش مجلس النواب المغربي، بل ماذا بقي من هيبته حين تختلط السياسة بالفرجة، والمسؤولية الدستورية باستعراضات المناسبات، وتتحول المؤسسة التي يُفترض أن تكون فضاءً لمراقبة الحكومة ومحاسبة المسؤولين إلى ما يشبه مجلساً لـ«التنكافة»!
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة نقاشاً سياسياً جاداً حول الغلاء، والبطالة، والصحة، والتعليم، والسكن، وتآكل القدرة الشرائية، تطفو على السطح مشاهد وممارسات تطرح أسئلة ثقيلة حول صورة المؤسسة التشريعية، وحدود المسؤولية السياسية، ومعنى تمثيل المواطنين.
مجلس النواب ليس صالوناً للمجاملات، ولا منصة لتبادل الأدوار، ولا فضاءً لاستعراض الأناقة والبروتوكول. إنه مؤسسة دستورية، يفترض أن تكون في قلب الصراع الديمقراطي النبيل: صراع الأفكار والبرامج والمصالح الاجتماعية، لا سباقاً نحو الأضواء والمظاهر.
و«التنكافة»، في دلالتها الشعبية، تحيل إلى طقوس الزينة والاستعداد للمناسبات. لكن حين تُستعار هذه الصورة لوصف المشهد البرلماني، فإنها تصبح استعارة سياسية موجعة عن مؤسسة يُخشى أن تنشغل بعض وجوهها بالمظهر أكثر من الجوهر، وبالاستعراض أكثر من التشريع، وبالحضور الشكلي أكثر من ممارسة الرقابة والمساءلة.
المشكلة ليست في الأناقة، ولا في البروتوكول، ولا في المظاهر الاحتفالية في حد ذاتها؛ فلكل مقام تقاليده. المشكلة تبدأ عندما يصبح الشكل أكثر حضوراً من المضمون، وعندما يتقدم منطق الصورة على منطق المسؤولية، ويشعر المواطن بأن انشغالاته اليومية لا تجد داخل قبة البرلمان ما تستحقه من جدية وصرامة.
فكم من سؤال ينتظر جواباً مقنعاً؟ وكم من ملف اجتماعي يحتاج إلى مساءلة حقيقية؟ وكم من وعد انتخابي يستحق أن يُستدعى أصحابه لمواجهته بالحساب؟ وكم من مواطن يتساءل إن كان صوته الانتخابي قد أوصل إلى المؤسسة من يدافع عن مصالحه، أم منح فقط تفويضاً مؤقتاً لوجوه ستعود إليه عند اقتراب موعد الانتخابات؟
إن خطورة هذا المشهد لا تكمن في صورة عابرة أو لقطة قابلة للتأويل، بل في احتمال تطبيع العبث بالوظيفة التمثيلية، وفي اتساع الهوة بين مجتمع يئن تحت ضغط المعيشة ومؤسسات يُفترض أن تحمل مطالبه إلى مركز القرار.
البرلمان الذي يفقد ثقة المواطنين لا يخسر صورته فقط، بل يخسر جزءاً من شرعيته المعنوية. وحين يشعر المواطن بأن السياسة تحولت إلى حرفة للامتيازات والمواقع، وأن التمثيل النيابي أصبح غاية في حد ذاته لا وسيلة لخدمة الصالح العام، فإن العزوف عن المشاركة لا يعود مجرد لامبالاة، بل يصبح تعبيراً عن أزمة ثقة عميقة.
المغاربة لا يريدون من نوابهم أن يكونوا نجوم مناسبات، بل أصحاب مواقف. لا يريدون برلماناً يتقن ترتيب المقاعد والصور، بل مؤسسة ترتب الأولويات الوطنية وتضع الحكومة أمام مسؤولياتها.
فإما أن يستعيد مجلس النواب هيبته بوصفه فضاءً للتشريع والمحاسبة والدفاع عن المواطنين، وإما أن يترك المجال للسخرية الشعبية كي تصدر أحكامها القاسية على مؤسسة لم تُنشأ لتكون مسرحاً للفرجة، بل ركيزة من ركائز الدولة الديمقراطية.
وحين يتحول البرلمان إلى مادة للتندر، فالمشكلة لا تكون في النكتة وحدها، بل في الواقع الذي جعلها ممكنة.
فالسياسة ليست تنكافة، والنيابة البرلمانية ليست زينة للمشهد، والديمقراطية ليست صورة تذكارية تحت قبة البرلمان.

