يونس لقطارني
ليس الجدل المغربي حول العلاقات مع إسرائيل مجرد خلاف بشأن التطبيع، ولا هو مواجهة عابرة بين مؤيدين ومعارضين لخيار دبلوماسي محدد؛ إنه، في عمقه، نقاش حول معنى الدولة ووظيفتها، وحدود العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وبين ضغط الشارع ومتطلبات المصالح الاستراتيجية للأمة. فمن جهة، هناك من ينطلق من موقف أخلاقي وإيديولوجي يرى في قطع العلاقات تعبيراً عن الالتزام بالقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى، هناك من يعتبر أن الدولة لا تستطيع إدارة علاقاتها الدولية بمنطق ردود الفعل العاطفية، مهما كانت مشروعية الدوافع التي تقف وراءها.
وفي قلب هذا النقاش تبرز معضلة سياسية وفلسفية قديمة: هل وظيفة الدولة أن تعكس انفعالات المجتمع ومواقفه الآنية، أم أن مسؤوليتها تقتضي اتخاذ قرارات تتجاوز ضغط اللحظة، وتحتكم إلى حسابات المصالح الوطنية وموازين القوى وتداعيات الخيارات على المدى البعيد؟
إن استحضار مفهوم الدولة في الفلسفة الهيغلية يساعد على فهم هذا التوتر. فالدولة، في تصور هيغل، ليست مجرد تجميع للإرادات الفردية، ولا أداة لتنفيذ الرغبات المتقلبة، بل إطار مؤسساتي تتجسد داخله الحياة الأخلاقية المشتركة، وتنتظم عبره العلاقة بين الحرية الفردية والمصلحة العامة. وبذلك، لا تختزل الدولة في صوت الشارع، كما لا يجوز اختزال المجتمع في قرارات الدولة؛ وإنما تكمن مسؤوليتها في تحويل التناقضات والمطالب المتباينة إلى اختيارات سياسية قابلة للاستمرار.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الرهان المغربي في تدبير علاقاته الخارجية باعتباره اختباراً لقدرة الدولة على الموازنة بين الالتزامات الأخلاقية، والثوابت الوطنية، ومتطلبات الأمن القومي، دون السقوط في منطق المزايدة أو التعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها ساحة لتصفية الحسابات الإيديولوجية.
بين أخلاق الموقف وعقلانية القرار
تتحرك قطاعات من القوى الإسلامية واليسارية المناهضة للتطبيع انطلاقاً من قناعة أخلاقية وسياسية تعتبر أن استمرار العلاقات مع إسرائيل، في ظل الحرب على الفلسطينيين والانتهاكات المرتبطة بها، يتعارض مع التضامن المطلوب مع الشعب الفلسطيني. وهذه قناعة لا يمكن اختزالها تلقائياً في الشعبوية أو المزايدة؛ إذ تستند، لدى كثيرين، إلى اعتبارات إنسانية وسياسية واضحة.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الموقف الأخلاقي إلى وصفة سياسية جاهزة، وحين يصبح قطع العلاقات غاية في حد ذاته، من دون نقاش جدي بشأن النتائج المحتملة لهذا القرار، والبدائل المتاحة، والقدرة على تحقيق مكاسب ملموسة للقضية الفلسطينية من خلاله.
هنا تحديداً يظهر الفرق بين التعبير عن الموقف وتدبير الدولة. فالمواطن أو الحزب يستطيع إعلان رفضه، والمشاركة في الاحتجاج، وممارسة الضغط السياسي؛ أما الدولة، فتتحمل مسؤولية تقدير التداعيات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، وتحديد ما إذا كان الانسحاب من اتفاق أو إنهاء علاقة ما سيحقق الهدف المعلن، أم سيؤدي إلى خسارة أوراق استراتيجية من دون تغيير موازين القوى على الأرض.
إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق المطالبة بقطع العلاقات ليس ما إذا كان هذا الموقف ينسجم مع القناعة الأخلاقية لأصحابه فحسب، بل أيضاً: ما الذي سيتغير فعلياً بعد اتخاذ القرار؟ وكيف يمكن قياس أثره على حماية الفلسطينيين، وعلى قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه الوطنية؟ وما البدائل التي تضمن ألا يتحول القرار إلى خطوة رمزية محدودة النتائج؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من مشروعية التضامن مع فلسطين، بل تنقل النقاش من مستوى إعلان النوايا إلى مستوى تقييم السياسات ونتائجها.
الصحراء المغربية.. مركز الثقل في الحسابات الاستراتيجية
بالنسبة إلى المغرب، لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن قضية الصحراء المغربية، التي تشكل إحدى أولويات الأمن القومي والدبلوماسية الوطنية. فالمملكة تدير هذا الملف داخل منظومة دولية معقدة، تتداخل فيها مواقف القوى الكبرى وحسابات الأمم المتحدة والتوازنات الإقليمية والتحالفات الثنائية.
ومن ثم، فإن أي مراجعة للعلاقات مع إسرائيل أو للاتفاق الثلاثي الموقع سنة 2020 بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، ينبغي أن تخضع لتقدير دقيق لمكاسبها وخسائرها المحتملة، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، التي اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء في دجنبر 2020.
غير أن الواقعية السياسية تقتضي، في المقابل، عدم التعامل مع هذا الاعتراف باعتباره ضمانة دائمة لا تتأثر بالتحولات السياسية والاستراتيجية. فالاعتراف الأمريكي، على أهميته، يندرج ضمن علاقات ومصالح متبادلة، كما أن الحفاظ على الدعم الدولي لمغربية الصحراء يتطلب دبلوماسية متعددة المسارات، ولا يمكن اختزاله في علاقة واحدة أو تحالف منفرد.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس ما إذا كان المغرب مطالباً بالاختيار بين فلسطين والصحراء، كما توحي بعض الخطابات المتقابلة، بل كيف يستطيع حماية وحدته الترابية، وتوسيع دائرة دعمه الدولي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقفه المبدئي من الحقوق الفلسطينية.
إن وضع القضيتين في مواجهة صفرية لا يخدم بالضرورة أياً منهما. فالمصالح الوطنية ليست نقيضاً تلقائياً للمبادئ الأخلاقية، مثلما أن التضامن مع فلسطين لا يفرض، في ذاته، اعتماد خيار دبلوماسي واحد باعتباره الطريق الوحيد الممكن.
التطبيع ليس غاية.. والبراغماتية ليست شيكاً على بياض
من أبرز مبررات استمرار العلاقات المغربية الإسرائيلية ما يرتبط بالتعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي، فضلاً عن الرهانات الاقتصادية والدبلوماسية. وقد شكل استئناف العلاقات في إطار إعلان دجنبر 2020 مرحلة جديدة في السياسة الخارجية المغربية، ارتبطت أيضاً بالاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء.
لكن الدفاع عن هذا الخيار لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير مطلق لكل أوجه العلاقة، أو إلى افتراض أن كل تعاون يحقق بالضرورة مكسباً استراتيجياً للمغرب. فالدولة التي تتصرف بمنطق المصلحة الوطنية مطالبة بتقييم حصيلة هذه العلاقات باستمرار، وقياس مردودها الفعلي، ومراجعة ما يحتاج منها إلى تعديل، وفق تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية.
فالبراغماتية ليست تفويضاً مفتوحاً، والتوازنات الدولية ليست حقائق ثابتة، والتحالفات لا تكتسب قيمتها من مجرد وجودها، بل من قدرتها على خدمة المصالح الوطنية ضمن شروط واضحة.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار العلاقات مع إسرائيل، أو مراجعة بعض جوانبها، ينبغي أن يكون موضوع نقاش استراتيجي يستند إلى الوقائع والنتائج، لا إلى التخوين المتبادل بين من يعتبرون التطبيع ضرورة وطنية ومن يرونه تنازلاً سياسياً وأخلاقياً.
كما أن الاعتقاد بأن قطع العلاقات سيحرر فلسطين، من دون تحديد الآليات التي ستقود إلى هذه النتيجة، يظل استنتاجاً يحتاج إلى برهنة سياسية. وفي المقابل، فإن الادعاء بأن استمرار العلاقات هو وحده ما يحمي المصالح المغربية، أو يضمن استمرار الدعم الأمريكي للصحراء، يحتاج بدوره إلى تقييم واقعي، بعيداً عن المبالغة في تقدير قدرة أي تحالف على التحكم في قرارات القوى الكبرى.
الدولة ليست صدى للشارع.. لكنها ليست معصومة من النقد
تتمثل إحدى أهم وظائف الدولة في حماية المصالح العامة من تقلبات اللحظة السياسية، وتقدير المخاطر التي قد لا تظهر آثارها فوراً. فالدولة لا تستطيع أن تتخذ قراراتها تحت ضغط كل موجة احتجاجية، كما لا يمكنها أن تتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها امتداداً مباشراً للمنافسة الانتخابية أو للصراع بين التيارات الإيديولوجية.
لكن هذه المسؤولية لا تعني أن الدولة تمتلك الحقيقة المطلقة، أو أن قراراتها السيادية ينبغي أن تبقى خارج دائرة النقاش العمومي. فالمؤسسات، مهما امتلكت من معلومات وخبرات، ليست معصومة من الخطأ، والسرية التي تفرضها بعض الملفات الأمنية لا تلغي الحاجة إلى تفسير الخيارات الاستراتيجية بالقدر الممكن، وتوضيح أهدافها وحدودها وحصيلتها.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مقاومة ضغط الشارع، بل أيضاً بقدرتها على إقناع المجتمع بأن قراراتها تستند إلى تقدير عقلاني للمصلحة العامة، وأنها مستعدة لمراجعة خياراتها متى تغيرت المعطيات أو ظهرت كلفة لم تكن محسوبة.
وهنا ينبغي التمييز بين الشعبوية، التي تختزل القضايا المعقدة في شعارات سهلة وتَعِد بنتائج لا تقدم لها مسارات واقعية، وبين المعارضة المشروعة التي تسائل الدولة بشأن اختياراتها وتطالبها بتبريرها. فليس كل من يعارض التطبيع شعبوياً، كما أن ليس كل من يدافع عن استمرار العلاقات أكثر واقعية بالضرورة.
المعيار الحقيقي هو جودة الحجة، ومدى استنادها إلى الوقائع، وقدرتها على الربط بين المبادئ والنتائج.
فلسطين والمغرب.. هل نحن أمام معادلة صفرية؟
من أكثر الاختزالات ضرراً تصوير النقاش وكأن التضامن مع غزة يتعارض بالضرورة مع الدفاع عن المصالح المغربية، أو كأن التمسك بالوحدة الترابية للمملكة يقتضي التقليل من مركزية القضية الفلسطينية.
إن المغرب، الذي يؤكد رسمياً دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني، ويضطلع الملك محمد السادس فيه برئاسة لجنة القدس، مطالب بتدبير هذه الملفات وفق مقاربة تجمع بين الموقف السياسي والعمل الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية، مع حماية مصالحه الوطنية في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ولا ينبغي أن يتحول التضامن إلى منافسة بين المآسي، أو أن تصبح المقارنة بين غزة وتازة وسيلة لتخوين المغاربة بسبب ترتيبهم لأولوياتهم الأخلاقية. فالمواطنة لا تقتضي الاختيار بين التعاطف مع الفلسطينيين والحرص على مستقبل المغرب، كما أن الدولة ليست مضطرة إلى التعامل مع القضيتين باعتبارهما متعارضتين في كل الظروف.
المطلوب هو بناء سياسة خارجية تستطيع الدفاع عن المصالح المغربية، وتوظيف علاقاتها الدولية لخدمة أهدافها، مع الحفاظ على مساحة فعلية للتأثير الدبلوماسي والإنساني في القضية الفلسطينية. أما تحويل كل نقاش حول التطبيع إلى اتهام بالخيانة، أو تحويل كل اعتراض عليه إلى دليل على الجهل بالمصالح الوطنية، فلا ينتج سوى استقطاب يضيق المجال أمام النقاش العقلاني.
الدولة باعتبارها ضميراً عاماً
إن جوهر الدولة ليس أن تنتصر في كل مواجهة خطابية مع المجتمع، ولا أن تثبت تفوقها على الأحزاب والحركات الاحتجاجية، بل أن تملك القدرة على تحويل التعدد والاختلاف إلى سياسة عامة متماسكة، تحمي المصالح الوطنية وتستجيب، في الوقت نفسه، للمسؤوليات الأخلاقية والسياسية للمملكة.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الدولة باعتبارها ضميراً عاماً، لا لأنها تلغي الضمائر الفردية أو تحتكر الأخلاق، بل لأنها مطالبة بتجاوز الانفعال الآني نحو تقدير العواقب، وربط القرارات بسياقاتها التاريخية والاستراتيجية، وتحمل مسؤولية نتائجها أمام الوطن.
فالدولة التي تنصت إلى الشارع من دون أن تخضع لكل ضغط عابر، وتحافظ على تحالفاتها من دون أن تحولها إلى مسلمات، وتدافع عن مصالحها من دون أن تتنكر لمبادئها، هي الدولة القادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والاستقلال في القرار.
أما العنترية السياسية، سواء ارتدت لباس الشعارات الأخلاقية أو لغة القوة والسيادة، فلا تكفي لبناء استراتيجية وطنية. فرفع سقف الخطاب لا يعوض غياب البدائل، وإعلان المواقف لا يضمن تحقق أهدافها، مثلما أن التمسك بخيار دبلوماسي لا يعفي أصحابه من ضرورة إثبات جدواه.
وفي النهاية، ليست القضية أن تكون الدولة أكبر من المجتمع، بل أن تكون أقدر على تدبير اختلافاته وحماية مصالحه بعقلانية ومسؤولية. وليست الحكمة في إسكات المطالب الشعبية، بل في التمييز بين ما يعبر عن حاجة أخلاقية مشروعة وما يصلح أن يتحول إلى قرار استراتيجي.

