يونس لقطارني
فقط في بلاد العجائب والغرائب، يمكن أن يتحول الجدل حول ذاكرة سنوات الرصاص إلى مشهد سياسي يثير أكثر من علامة استفهام، بينما لا تزال أسئلة الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر معلّقة في ذاكرة الضحايا.
إنه محمود عرشان، الاسم الذي أعادت تصريحات منسوبة إليه داخل البرلمان المغربي فتح النقاش بشأن ماضي بعض الشخصيات العامة، وعلاقة المسؤولية السياسية بذاكرة الانتهاكات الحقوقية التي شهدها المغرب خلال سنوات الرصاص.
فمعتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء ليس مجرد اسم عابر في أرشيف الاعتقال السياسي، بل أحد أكثر الأماكن ارتباطاً في الذاكرة الحقوقية المغربية بشهادات التعذيب والانتهاكات التي طالت معتقلين سياسيين خلال تلك المرحلة القاتمة من تاريخ البلاد.
وبحسب ما ورد في المعطيات المتداولة بشأن لوائح حقوقية صدرت مطلع الألفية، فقد أُدرج اسم محمود عرشان ضمن أسماء ارتبطت باتهامات تتعلق بالتعذيب والاعتقال التعسفي. وهي اتهامات خطيرة تستوجب التوثيق والتمحيص، كما تستدعي التمييز بين الاتهام الحقوقي وما تثبته الأحكام أو الوثائق الرسمية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر أيضاً: كيف يتعامل المجال السياسي المغربي مع ذاكرة الانتهاكات الحقوقية؟ وأي مكانة تُمنح لضحايا سنوات الرصاص في مقابل المكانة التي تحظى بها الشخصيات العامة؟
في المشهد الذي أثار هذا الجدل، ظهر عرشان وهو يتحدث عن مساره الشخصي ومكانته، مستحضراً صفته نقيباً للشرفاء الأدارسة، وعضويته في المجلس الوطني للمقاومة، وتطوعه في المسيرة الخضراء، إلى جانب ميدالية ذهبية قال إنه حصل عليها من مجلس الشيوخ الفرنسي، فضلاً عن مواقف عائلية مرتبطة بمرحلة الاستعمار.
غير أن استعراض السيرة الذاتية، مهما تعددت عناوينه، لا يعفي أي شخصية عامة من الأسئلة المشروعة بشأن ماضيها، ولا يحسم وحده النقاش حول مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية. فالألقاب لا تُغلق ملفات التاريخ، والأوسمة لا تُغني عن الحقيقة، والمكانة الاجتماعية لا ينبغي أن تكون درعاً يحول دون المساءلة.
المشكلة ليست في أن يتحدث مسؤول سياسي عن إنجازاته، بل في أن تتحول هذه الإنجازات إلى جواب جاهز عن أسئلة لم تجد بعد ما يكفي من التوضيح والتوثيق.
لقد قطع المغرب أشواطاً في مسار العدالة الانتقالية، من خلال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة وما رافقها من نقاش حول كشف الحقيقة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة. لكن المصالحة الحقيقية لا تعني محو الأسئلة، كما أن طيّ صفحة الماضي لا يعني مطالبة الضحايا بالصمت أو مطالبتهم بالتخلي عن حقهم في الذاكرة والإنصاف.
فأي معنى للإنصاف إذا بقيت ذاكرة الضحايا حاضرة في الشهادات والملفات، بينما يُستقبل الجدل حول المسؤولية التاريخية باعتباره مجرد خصومة سياسية عابرة؟
وأي رسالة تصل إلى الأجيال الجديدة عندما تصبح السيرة السياسية موضوعاً للتباهي، بينما تظل ملفات الماضي بحاجة إلى قراءة هادئة ومسؤولة، تستند إلى الوثائق وتحترم حقوق الجميع؟
إن البرلمان ليس مجرد منصة للخطب وتبادل العتاب، بل مؤسسة يفترض أن تجسد قيم المسؤولية والشفافية واحترام الذاكرة الوطنية. ومن حق الرأي العام أن يسأل، ومن واجب الصحافة أن تبحث وتتحقق، ومن حق كل شخص أن تُعرض قضيته بإنصاف، بعيداً عن التشهير كما بعيداً عن الحصانة المعنوية التي قد تصنعها الألقاب والمواقع.
في المغرب، لا ينبغي أن تكون هناك ذاكرة للسلطة وذاكرة أخرى للضحايا.
فالتاريخ لا يُكتب بالأوسمة وحدها، ولا يُمحى بالخطب، ولا تُحسم صفحاته بالتصفيق. إنه يُكتب بالوثائق والشهادات والحقيقة، وبالقدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة دون تهرب أو انتقائية.
أما الضحايا، فلا يحتاجون إلى خطابات جديدة عن المصالحة بقدر ما يحتاجون إلى احترام ذاكرتهم، وصون كرامتهم، وضمان ألا تتحول معاناتهم إلى هامش في رواية يكتبها الأقوياء وحدهم.
التاريخ لا ينسى… والذاكرة الحقوقية ليست ملكاً لأحد.
أروى بريس | رأي وتحليل
#المغرب #محمود_عرشان #درب_مولاي_الشريف #سنوات_الرصاص #حقوق_الإنسان #البرلمان_المغربي

