لم تعد التسريبات الآتية من الجزائر مجرد تفاصيل عابرة في صراعات أجهزة السلطة، بل باتت تطرح أسئلة محرجة حول طبيعة العلاقة بين الرئاسة وقيادة الجيش، وحدود النفوذ داخل منظومة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاستخبارات. فرحلة عبد اللطيف بلقايم، المستشار المقرب من الرئيس عبد المجيد تبون، إلى جنيف، ولقاؤه المزعوم برجل ورد اسمه في قضية فريد بن شيخ، يفتحان الباب أمام احتمال وجود تجاذبات داخل مراكز القرار، وإن كانت المعطيات المتداولة لا تكفي وحدها للجزم بوجود مواجهة مباشرة بين قصر المرادية وهيئة الأركان.
القضية ليست في رحلة طائرة إلى سويسرا، بل في طبيعة اللقاء وتوقيته والجهات التي قد تكون وراء تسريب تفاصيله. فحين يتعلق الأمر بمسؤول قريب من رئيس الجمهورية، وبملف قضائي عسكري شديد الحساسية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الواقعة تعكس تحركات سياسية موازية، أو محاولة لإحراج الرئاسة، أو مجرد لقاء لم تتضح أسبابه بعد.
صراع النفوذ خلف أبواب المؤسسات
بحسب الرواية التي تداولها معارضون جزائريون في الخارج، سافر بلقايم إلى جنيف يوم 24 أكتوبر، والتقى رافع تشوكا في المطار لنحو 17 دقيقة، قبل أن يعود إلى الجزائر في اليوم نفسه. وتقول المصادر ذاتها إن الرحلة لم يُعلن عن مبرر مهني لها، وإن اللقاء يرتبط بصورة أو بأخرى بملف فريد بن شيخ، المدير العام الأسبق للأمن الوطني، الذي تشير الرواية إلى خضوع قضيته لتحقيق أمام القضاء العسكري.
لكن ما يحتاج إلى تفسير ليس فقط سبب اللقاء، بل أيضاً كيفية وصول الصور والتفاصيل إلى منصات إعلامية معارضة، والغاية من نشرها في هذا التوقيت. فالتسريب، إذا صحت تفاصيله، قد يكون وسيلة لكشف تحرك غير معلن، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة في صراع النفوذ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية قريبة من الرئاسة وملف تتشابك فيه أجهزة الأمن والاستخبارات والقضاء العسكري.
في مثل هذه الحالات، لا يكفي ظهور مسؤول في صورة إلى جانب شخص مثير للجدل لإثبات وجود صفقة أو تواطؤ. غير أن الواقعة تطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل تتحرك بعض دوائر الرئاسة في ملفات حساسة خارج القنوات المعتادة، أم أن أطرافاً داخل المنظومة تسعى إلى تصوير تحركاتها على أنها تجاوزات بهدف تضييق هامش مناورتها؟
تبون وشنقريحة.. من يدير الملفات الحساسة؟
تكمن حساسية المسألة في طبيعة النظام الجزائري، حيث لا يمكن فصل القرار السياسي عن ثقل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. فالرئاسة تملك الصفة الدستورية لإدارة شؤون الدولة، لكن الجيش يحتفظ بموقع مركزي في معادلة السلطة، ما يجعل العلاقة بين الطرفين عاملاً أساسياً لفهم كثير من التطورات السياسية والأمنية.
ومن هنا، فإن أي تحرك غير معلن لمستشار رئاسي في ملف تتداخل فيه أجهزة الأمن والقضاء العسكري يمكن أن يُقرأ باعتباره اختباراً لحدود النفوذ بين مراكز القرار. غير أن تحويل هذه القراءة إلى حقيقة مؤكدة بشأن وجود حرب مفتوحة بين تبون ورئيس أركان الجيش، سعيد شنقريحة، يتطلب أدلة مستقلة لا توفرها الرواية المتداولة وحدها.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت الرئاسة قادرة على إدارة ملفاتها الحساسة باستقلالية عن الأجهزة الأمنية، وما إذا كانت قيادة الجيش تقبل بتحركات قد تمس ملفات تعتبرها ضمن نطاق اختصاصها. وإذا كان التسريب صادراً بالفعل عن جهة داخل مؤسسات الدولة، فإن ذلك سيضيف بعداً آخر للقضية: ليس فقط احتمال وجود خلاف، بل احتمال استخدام المعلومات الأمنية لتوجيه رسائل سياسية بين أطراف المنظومة نفسها.

