يونس لقطارني
رسالة مفتوحة الى السيد محمود عرشان : لا يمكن بناء المستقبل بتخوين المطالبين بالحقيقة، ولا حماية المصالحة بإسكات ضحايا الانتهاكات
السيد محمود عرشان،
أكتب إليكم من موقع الالتزام بقضايا حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ومن إيمان بأن كرامة الضحايا ليست موضوعًا للمساومة السياسية، وأن المصالحة التي اختار المغرب أن يجعلها مدخلًا لمعالجة ماضي الانتهاكات لا يمكن أن تستقيم إذا تحولت المطالبة بالحقيقة إلى تهمة، وأصحاب الشهادات إلى موضع للتشكيك في وطنيتهم.
لقد أثارني، كما أثار غيري من المهتمين بقضايا الإنصاف والمصالحة، وصفكم من يثيرون الاتهامات المرتبطة بماضيكم الأمني بـ«الطابور الخامس»، بحسب ما نقلته الصحافة عن مداخلتكم بمجلس المستشارين.
ولأن الأمر يتعلق بذاكرة حقوقية لا تخص شخصًا بعينه، بل تمس ضحايا وأسرًا وتجارب إنسانية مؤلمة، فإنني أجد من واجبي أن أوجه إليكم أسئلة لا يجوز أن تضيع وسط الضجيج السياسي.
من يطالب بكشف الحقيقة، هل يصبح عدوًا لوطنه؟ ومن يروي معاناته، هل يتعين عليه أولًا إثبات وطنيته قبل أن يُسمع صوته؟
السيد محمود عرشان،
إن وصفًا من هذا القبيل لا يمرّ بالضرورة باعتباره مجرد تعبير سياسي عابر. فعندما يتعلق الأمر بملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فإن الكلمات قد تعيد فتح جراح لم تندمل، وتضاعف شعور الضحايا بأن معاناتهم لم تجد بعد ما تستحقه من اعتراف وإنصاف.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقارير، ولا أسماء في ملفات قديمة، ولا أطرافًا يمكن اختزالها في سجال سياسي. إنهم بشر عاشوا تجارب قاسية، وهناك من لا يزال يحمل آثارها النفسية والاجتماعية، وهناك أسر لا تزال تبحث عن أجوبة، وأشخاص يرون أن الاعتراف بما جرى شرط أساسي لاستعادة الثقة والكرامة.
ومن حق هؤلاء أن يتحدثوا عن معاناتهم، وأن يطالبوا بالإنصاف، وأن يناقشوا ما يعتبرونه حقائق لم تستكمل معالجتها، من دون أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن وطنيتهم.
إن الوطنية لا تُقاس بالصمت عن الألم، ولا تُمنح لمن يوافقون المسؤولين في روايتهم للتاريخ، ولا تُسحب ممن يطرحون أسئلة محرجة. الوطن الذي نريده هو الذي يتسع للاختلاف، ويحمي حق مواطنيه في التعبير، ويجعل القانون مرجعًا للفصل في الادعاءات والمسؤوليات.
المصالحة ليست دعوة إلى النسيان
لقد شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة في المغرب محطة مهمة في مسار التعامل مع ماضي الانتهاكات، وفتحت المجال أمام الاعتراف بمعاناة الضحايا، وجبر الضرر، والتفكير في إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار.
لكن هذه التجربة لم تكن إعلانًا بأن جميع الجراح قد التأمت، ولا تفويضًا بإغلاق النقاش حول الماضي إلى الأبد، ولا تنازلًا جماعيًا عن حق الضحايا في مواصلة المطالبة بالإنصاف وفق القانون.
إن المصالحة الحقيقية لا تعني أن ينسى الضحايا ما عاشوه، بل أن يجدوا في الحاضر ما يساعدهم على استعادة كرامتهم، وفي المؤسسات ما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، وفي المجتمع ما يحول دون وصمهم بسبب تمسكهم بحقوقهم.
المصالحة ليست صكًّا للنسيان، والإنصاف ليس خيانة، والمطالبة بالحقيقة ليست مؤامرة على الوطن.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن الدفاع عن مكتسبات المصالحة يقتضي إسكات الأسئلة أو التعامل مع كل من يثير ملفًا من ملفات الماضي باعتباره خصمًا سياسيًا. فالمصالحة التي تخشى الأسئلة تفقد قدرتها على بناء الثقة، والعدالة الانتقالية التي لا تحترم حق الضحايا في التعبير تتحول إلى خطاب ناقص مهما كانت الشعارات التي ترفعها.
لماذا يُناقش أصحاب الشهادات بدل مناقشة شهاداتهم؟
السيد محمود عرشان،
إذا كانت لديكم اعتراضات على اتهامات أو شهادات تتعلق بماضيكم، فإن حقكم في الرد والدفاع عن أنفسكم مكفول. ومن حقكم أن تطالبوا بالأدلة، وأن تفندوا ما تعتبرونه ادعاءات غير صحيحة، وأن تلجؤوا إلى القضاء المختص.
لكن هذه الحقوق لا تلغي حقوق الطرف الآخر، ولا تمنح أحدًا مبررًا لتحويل النقاش من الوقائع والأدلة إلى التشكيك في وطنية أصحاب الشهادات.
فالادعاءات تُناقش بالأدلة، والمسؤوليات تُحدَّد وفق القانون، ولا ينبغي أن تتحول الوطنية إلى سلاح لإسكات المطالبين بالإنصاف.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام مسبقة، ولا اعتبار كل اتهام حقيقة ثابتة، ولا الانتقاص من قرينة البراءة أو حقوق الدفاع. إنما ندافع عن مبدأ أساسي: أن تكون هناك مساحة آمنة ومسؤولة لعرض الشهادات، وأن تُفحص الادعاءات الجدية عبر المسارات المناسبة، وأن يُترك للقضاء المستقل، متى عُرضت عليه القضايا وفق القانون، أن يحدد ما يدخل في اختصاصه ويحسم ما يثبت لديه.
أما تخوين أصحاب المطالب، فلا يثبت براءة أحد، ولا يدحض شهادة، ولا يقدم جوابًا عن سؤال يتعلق بالحقيقة. إنه ينقل النقاش إلى منطقة أكثر خطورة، حيث يصبح الانتماء الوطني موضع اختبار كلما حاول شخص الحديث عن تجربة مؤلمة.
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل نريد مجتمعًا يناقش الوقائع، أم مجتمعًا ينشغل بمحاكمة نيات من يثيرونها؟
«Argentina, 1985».. حين لا يعود الماضي شأنًا خاصًا
لا أعرف إن كنتم قد شاهدتم فيلم «Argentina, 1985»، الذي يستعيد محاكمة قادة الحكم العسكري الأرجنتيني. أستحضره لأنه يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لمجتمع أن يواجه ماضي الانتهاكات من دون أن يحول ذاكرة الضحايا إلى عبء ينبغي التخلص منه؟
في الفيلم، يتقدم الشهود ليرووا ما عاشوه، وتُفحص الشهادات والأدلة في إطار قضائي تحكمه قواعد المحاكمة العادلة. لا تُحسم المسؤوليات بالشعارات، ولا تُستبدل الأدلة بالاتهامات المضادة، ولا يُحرم أي طرف من حقه في الدفاع عن نفسه.
وأدرك أن السياق المغربي يختلف عن السياق الأرجنتيني، وأن لكل تجربة تاريخها ومؤسساتها ومساراتها الخاصة. لكن الدرس الذي يستحق التأمل هو أن الاعتراف بالضحايا واحترام شهاداتهم لا يتعارضان مع ضمانات المحاكمة العادلة، بل يشكلان جزءًا من بناء الثقة في المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، أوجه إليكم سؤالًا واضحًا:
إذا اتخذت المطالب المرتبطة بالاتهامات والشهادات المتعلقة بماضيكم مسارًا قضائيًا، فهل أنتم مستعدون لمناقشتها أمام قضاء مستقل، وتقديم روايتكم في إطار يحفظ حقوق جميع الأطراف؟
إنه سؤال لا يتضمن حكمًا مسبقًا، ولا ينتقص من حقكم في الدفاع عن أنفسكم، لكنه يتمسك في المقابل بحق الضحايا في أن تُسمع أصواتهم، وألا تُواجه مطالبهم بالتخوين أو التشكيك في وطنيتهم.
من يحمي الأمل الذي بنيناه طوال ربع قرن؟
إن الرهان على العدالة الانتقالية لم يكن مجرد نقاش أكاديمي أو مبادرة سياسية عابرة. لقد كان مسارًا وطنيًا ساهم فيه ضحايا وحقوقيون وفاعلون مدنيون ومؤسسات، انطلاقًا من الاعتقاد بأن مواجهة الماضي يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
وقد ارتبطت تجربة الإنصاف والمصالحة في المغرب بإرادة ملكية وتطلعات مجتمعية إلى معالجة آثار الانتهاكات وتعزيز الثقة في المؤسسات. ومن واجبنا الحفاظ على ما تحقق، والعمل على استكمال ما بقي من أوراش، والوفاء لروح التجربة وتوصياتها.
لكن الوفاء لهذه التجربة لا يكون بتحويلها إلى صفحة مغلقة، ولا بتقديمها باعتبارها نهاية لكل نقاش، بل بحماية جوهرها: الاعتراف بالضحايا، واحترام كرامتهم، والإنصات إلى مطالبهم، ومواصلة الإصلاح، وضمان عدم التكرار.
إن الضحايا الذين اختاروا الانخراط في مسار المصالحة لم يفقدوا حقهم في المطالبة بالإنصاف، والذين ما زالوا يعبّرون عن آلامهم لا ينتقصون من وطنية المغرب، بل يطالبون بأن تكون كرامة الإنسان جزءًا لا يتجزأ من مستقبله.
ولا أحد يملك أن يتحدث باسم جميع الضحايا أو أن يقرر نيابة عنهم متى تنتهي معاناتهم. كما لا يجوز أن يُفرض عليهم شكل واحد للتعامل مع ذاكرتهم، أو أن يُعتبر استمرارهم في المطالبة بالحقيقة خروجًا عن الإجماع الوطني.
رسالتي إليكم وإلى المؤسسات
السيد محمود عرشان،
إنني أوجه إليكم هذه الرسالة لأنني أرفض أن تتحول قضية الضحايا إلى مادة للتراشق السياسي، وأرفض بالقدر نفسه أن تصبح المصالحة عنوانًا يُستدعى عند الحاجة، بينما يُترك أصحاب المعاناة في مواجهة ذاكرتهم وحدهم.
إن تصريحات من قبيل وصف المطالبين بإثارة ملفات الانتهاكات بـ«الطابور الخامس»، إذا كانت قد نُقلت بالصيغة المذكورة، تثير مخاوف مشروعة بشأن أثر الخطاب السياسي في الثقة العامة، وفي قدرة الضحايا على التعبير عن تجاربهم من دون خوف من الوصم أو التخوين.
وأقول للمؤسسات المعنية إن حماية تجربة الإنصاف والمصالحة مسؤولية تتجاوز الدفاع عن حصيلتها الرسمية. إنها تقتضي حماية حق الضحايا في التعبير، وتشجيع النقاش المسؤول، واحترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع، وضمان أن تُعالج الادعاءات الجدية وفق القانون، بعيدًا عن الضغوط السياسية والأحكام المسبقة.
فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع الحديث عن ماضيها، بل تلك التي تستطيع مواجهته بثقة ومسؤولية. والمصالحة الناجحة ليست تلك التي تختفي فيها الأصوات المؤلمة، بل تلك التي يستطيع فيها أصحابها التعبير عن معاناتهم من دون أن يشعروا بأنهم متهمون بسببها.
السيد محمود عرشان،
لا أطالبكم بإدانة أنفسكم، ولا أضع نفسي موضع القاضي، ولا أدعي امتلاك الحقيقة الكاملة. لكنني أطالبكم بأن تدركوا أن الكلمات الصادرة عن مسؤول أو شخصية عامة قد تتجاوز حدود السجال الذي قيلت فيه، وأن أثرها قد يقع على أشخاص يحملون ذاكرة ثقيلة وتجارب لا يمكن اختزالها في خلاف سياسي.
إن احترام الضحايا لا يعني التسليم بكل ادعاء، كما أن احترام حقوقكم لا يعني إسكاتهم. وبين الأمرين توجد مساحة واضحة اسمها القانون، والإنصاف، والمسؤولية الأخلاقية.
فهل شاهدتم فيلم «Argentina, 1985»؟
أدعوكم إلى التأمل في رسالته الإنسانية والحقوقية، وإلى التفكير في معنى أن يطالب مجتمع ضحاياه بالمصالحة، ثم يجعلهم موضع شبهة عندما يتحدثون عن ماضيهم.
إن الضحايا ليسوا طابورًا خامسًا، والذاكرة الحقوقية ليست تهديدًا للوطن، والحقيقة ليست خصمًا للمصالحة.
إن الخطر الحقيقي على الثقة العامة يبدأ عندما يشعر أصحاب المعاناة بأن صوتهم غير مرغوب فيه، وأن الحديث عن الانتهاكات قد يتحول إلى سبب للطعن في ولائهم الوطني.
أما الأمل الذي نتمسك به، فهو أن يظل المغرب بلدًا يستطيع فيه الجميع مواجهة ماضيه بشجاعة، وأن تكون كرامة الضحايا جزءًا من كرامة الدولة، وأن يبقى باب الحقيقة مفتوحًا، وأن تُحسم المسؤوليات وفق القانون، لا وفق موازين النفوذ أو حدة الخطاب.
هذه رسالتي إليكم، السيد محمود عرشان، دفاعًا عن حق الضحايا في الكرامة والإنصاف، وعن مصالحة لا تخاف من الحقيقة، وعن وطن لا يُطلب فيه من المتألمين أن يصمتوا كي يثبتوا أنهم يحبونه.

