بقلم- حسن يوسف زرما
أعاد التسجيل المصور الأخير الذي بثته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) باللغة الزرما تسليط الضوء على تطور الاستراتيجية الإعلامية للتنظيم في النيجر، وذلك بعد أيام من الهجوم الذي استهدف محيط مطار نيامي في 18 يونيو/حزيران. فبعيدًا عن مضمون التهديدات المباشرة، يعكس التسجيل تحولًا في طبيعة الصراع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع متعدد الأبعاد يجمع بين العمليات المسلحة والحرب النفسية والتأثير على الإدراك العام.
تكمن أهمية التسجيل في أنه لا يركز على الإعلان عن عملية عسكرية أو تبني هجوم جديد، وإنما يسعى إلى بناء رواية استراتيجية تؤكد أن العاصمة النيجرية أصبحت ضمن مجال الضغط المستمر. فمن منظور التنظيم، لا تقتصر قيمة العاصمة على كونها مركزًا سياسيًا وإداريًا، بل تمثل أيضًا رمزًا لهيبة الدولة، وبالتالي فإن مجرد التشكيك في أمنها يحقق مكاسب دعائية تتجاوز نتائج أي عملية ميدانية محدودة.
ويبرز اختيار اللغة الزرما باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في الحرب الإعلامية. فالرسالة لم تُوجَّه إلى المجتمع الدولي أو إلى النخب السياسية، وإنما خُصصت للجمهور المحلي، في محاولة للتأثير في المزاج الشعبي داخل العاصمة وغرب النيجر. ويعكس ذلك إدراك التنظيم أن الصراع على الشرعية لا يُحسم فقط في ساحات القتال، بل كذلك في الفضاء الاجتماعي والإعلامي، حيث يصبح كسب ثقة السكان أو زعزعة ثقتهم بالدولة عاملًا مؤثرًا في موازين القوة.
كما أن اتهام بعض المدنيين بمساندة قوات الدفاع والأمن يحمل بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد التهديد. فالتنظيم يسعى إلى إعادة رسم حدود الصراع عبر توسيع مفهوم “الخصم” ليشمل كل من يقدم دعمًا للدولة، ولو كان ذلك في إطار التعاون المدني أو الإبلاغ عن التحركات المشبوهة. ويهدف هذا الخطاب إلى إضعاف العلاقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، وتقليص تدفق المعلومات الاستخباراتية التي تعد من أهم أدوات مكافحة الجماعات المسلحة.
ومن زاوية أخرى، فإن التلويح بتنفيذ هجمات “أكبر” لا ينبغي تفسيره بوصفه مؤشرًا مؤكدًا على عملية وشيكة، وإنما باعتباره أداة ردع نفسي واستنزاف استراتيجي. فمجرد إطلاق مثل هذه التهديدات يدفع الدولة إلى رفع حالة التأهب، وتعزيز الانتشار الأمني، وتخصيص موارد إضافية لحماية العاصمة، وهو ما يفرض أعباء أمنية واقتصادية حتى في غياب أي هجوم فعلي. وبهذا المعنى، يستطيع التنظيم تحقيق جزء من أهدافه الاستراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة.
وتشير هذه الرسائل أيضًا إلى أن التنظيم يسعى للحفاظ على صورته بوصفه فاعلًا قادرًا على المبادرة، خاصة في ظل الضغوط العسكرية التي يتعرض لها في مناطق مختلفة من الساحل. فالتنظيمات المسلحة تعتمد بدرجة كبيرة على المحافظة على الزخم الإعلامي، لأن تراجع الحضور الدعائي قد يُفسَّر من قبل أنصارها وخصومها باعتباره مؤشرًا على الضعف أو فقدان القدرة على التأثير.
استراتيجيًا، من المتوقع أن تتعامل السلطات النيجرية مع هذه التهديدات من خلال تعزيز الإجراءات الوقائية داخل نيامي، وتكثيف العمل الاستخباراتي، وتشديد الرقابة على مداخل العاصمة والمنشآت الحيوية. غير أن نجاح هذه الإجراءات لن يعتمد فقط على الانتشار الأمني، بل أيضًا على كسب ثقة المجتمع المحلي، لأن مواجهة الحرب النفسية تتطلب بناء شراكة مجتمعية تقلل من تأثير الدعاية المتطرفة وتحافظ على تماسك الجبهة الداخلية.
في المحصلة، يعكس التسجيل الأخير أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تعمل وفق استراتيجية تجمع بين القوة العسكرية والتأثير النفسي والإعلامي. فالهدف لا يتمثل فقط في تنفيذ عمليات مسلحة، بل في إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية عبر بث الشعور بعدم اليقين، وتقويض الثقة بقدرة الدولة على حماية عاصمتها. ومن ثم، فإن التعامل مع مثل هذه الرسائل يتطلب قراءة استراتيجية متوازنة، تأخذ التهديدات على محمل الجد دون المبالغة في تقديرها، مع إدراك أن الحرب على التنظيمات المسلحة تُخاض في ميدانين متلازمين: الميدان العسكري، وميدان الإدراك والوعي العام.

