يونس لقطارني
يتوجه الناخبون المغاربة،اليوم الأربعاء، إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد سيقود إلى تشكيل حكومة للسنوات الخمس المقبلة، في انتخابات تهيمن عليها قضايا القدرة الشرائية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية، وسط مؤشرات على تراجع ثقة فئات واسعة، خصوصاً الشباب، في الأحزاب السياسية.
ويتنافس أكثر من 7 آلاف مرشح على أصوات نحو 16 مليون ناخب مسجل، لاختيار 395 نائباً في مجلس النواب. وتبرز نسبة المشاركة، ولا سيما بين الشباب، كأحد أهم مؤشرات الاستحقاق الانتخابي.
وبموجب الدستور المغربي، يعيّن الملك محمد السادس رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات، على أن يتولى تشكيل الحكومة. ورغم الصلاحيات الواسعة التي منحها دستور 2011 للبرلمان والحكومة، تحتفظ المؤسسة الملكية بدور محوري في رسم التوجهات الاستراتيجية والسياسات العامة.
المعيشة والبطالة في صدارة الحملة
تركزت الحملات الانتخابية على ارتفاع تكاليف المعيشة، والتفاوتات الاجتماعية، وبطالة الشباب، وهي ملفات تحظى بأهمية متزايدة لدى الناخبين. في المقابل، تعكس نسب التسجيل المنخفضة للشباب في اللوائح الانتخابية استمرار ضعف انخراط هذه الفئة في العمل السياسي والحزبي.
كما عادت قضية التفاوتات الاجتماعية إلى الواجهة، في وقت شهد فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة. ولم تحتل أزمة الهجرة المرتبطة بتدفق آلاف الأشخاص إلى مدينة سبتة في نهاية يوليو حيزاً كبيراً من النقاش الانتخابي، رغم ما خلفته من ضحايا وتداعيات سياسية.
ووصف رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، أحداث سبتة بأنها «يوم أسود» و«فضيحة كبرى»، في حين ركز حزب التجمع الوطني للأحرار على الدفاع عن حصيلة الحكومة الائتلافية التي قادها، داعياً الناخبين إلى تجديد الثقة فيه.
«الدولة الاجتماعية» في صلب خطاب أخنوش
في ظل غياب استطلاعات رأي موثوقة، تضع وسائل إعلام ومراقبون محليون أحزاب التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال ضمن أبرز القوى المتنافسة على المراتب الأولى.
ورغم تخليه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار في فبراير، عاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش لقيادة حملته الانتخابية، مركزاً خطابه على صمود الاقتصاد المغربي في مواجهة تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط، وعلى ما وصفه بتعزيز «ركائز الدولة الاجتماعية».
وخلال تجمع انتخابي في تطوان، تعهد أخنوش بمواصلة الإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم، ورفع الأجور، إضافة إلى خلق مليون فرصة عمل.
في المقابل، يواجه أخنوش انتقادات مرتبطة بما يصفه خصومه بتضارب المصالح، بسبب جمعه بين منصبه السياسي وملكيته لشركة «أفريقيا غاز»، إحدى أبرز شركات المحروقات في المغرب.
وتصاعدت الانتقادات الموجهة إليه خلال احتجاجات حركة «جيل زد 212» التي طالبت برحيله وبإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم. وشهدت الاحتجاجات، التي استمرت نحو أسبوعين، أعمال تخريب ومواجهات في عدد من المدن، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص قبل أن يتراجع زخمها.
الأصالة والمعاصرة ينافس حليفه السابق
برز حزب الأصالة والمعاصرة خلال الأشهر الأخيرة منافساً رئيسياً للتجمع الوطني للأحرار، رغم مشاركته معه في الائتلاف الحكومي وعدم وجود فروق أيديولوجية كبيرة بين الحزبين.
ويعتمد الطرفان إلى حد كبير على ما يعرف في المغرب بـ«الأعيان»، وهم مرشحون يستندون إلى شبكات علاقاتهم المحلية وقدرتهم على استقطاب الناخبين في دوائرهم.
ويخوض الأصالة والمعاصرة الانتخابات في ظل غياب زعيم واحد للحزب، الذي يديره ثلاثة مسؤولين، من بينهم فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير وعمدة مراكش. وقد رشحتها بعض وسائل الإعلام لتكون أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.
وتأثرت صورة الحزب كذلك بإدانة اثنين من قيادييه السابقين في يونيو بالسجن لمدة 10 و12 عاماً في قضية مرتبطة بالاتجار الدولي بالمخدرات.
لقجع يدخل السباق السياسي
وقبل أسابيع من الانتخابات، عزز حزب الاصالة والمعاصرة صفوفه بانضمام وزير الميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، الذي يتمتع بشعبية واسعة لدى جماهير كرة القدم رغم محدودية تجربته السياسية.
وقاد لقجع جانباً من الحملة الانتخابية للحزب في عدد من المدن، منتقداً ما وصفه بـ«تضارب المصالح» لدى التجمع الوطني للأحرار، ومتعهداً بالعمل على تحسين القدرة الشرائية ومنح الشباب دوراً أكبر في الاقتصاد والمجتمع.
أما حزب الاستقلال، الشريك الآخر في الحكومة، فخاض حملته بعيداً عن المواجهة المباشرة مع حليفيه، متعهداً بـ«القطيعة» مع بعض الممارسات السابقة، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، في وقت يسعى فيه إلى الحفاظ على موقع متقدم في المشهد السياسي.
العدالة والتنمية يسعى إلى استعادة حضوره
يسعى حزب العدالة والتنمية إلى تحقيق عودة سياسية بعد الخسارة الكبيرة التي مني بها في انتخابات 2021. وقاد عبد الإله بنكيران حملة الحزب، ونظم تجمعات انتخابية في عدد من المدن، وجه خلالها انتقادات حادة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار بشأن قضية تضارب المصالح، واتهم حزب الأصالة والمعاصرة بالسعي إلى «التحكم» في الحياة السياسية.
كما استعاد بنكيران خلال الحملة خطاباً محافظاً، محذراً مما اعتبره استهدافاً للأسرة، ومعترضاً على تقنين العلاقات الجنسية الرضائية والمساواة في الإرث بين الرجال والنساء.
وتبقى نسبة المشاركة، وخاصة بين الشباب، من أبرز المؤشرات التي ستكشف مدى قدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخبين وإعادة تعبئة المواطنين للمشاركة في الحياة السياسية.

