يونس لقطارني
لم تعد أوروبا تواجه تهديدات أمنية تقليدية فقط، بل دخلت فعلياً مرحلة من الحرب الهجينة التي تجمع بين الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والتخريب والتدخل في الانتخابات وحملات التضليل الإعلامي، خصوصاً من جانب روسيا.
وتشير معطيات البحوث البرلمانية الأوروبية، استناداً إلى مصادر استخباراتية وأوروبية، إلى أن الصراع لم يعد محصوراً جغرافياً داخل أوكرانيا، إذ باتت البنية التحتية الأوروبية عرضة لعمليات تخريب تستهدف كابلات الاتصالات البحرية وأنظمة الملاحة وشبكات النقل والتجارة، إلى جانب هجمات إلكترونية تستهدف مؤسسات عامة.
وبحسب تقرير لخدمة البحوث البرلمانية الأوروبية، تم تسجيل 152 حادثة تخريبية بين يناير 2022 وفبراير 2026 نُسبت إلى روسيا، شملت أضراراً بكابلات بحرية وتشويشاً على إشارات GPS وأعمالاً استهدفت شبكات حيوية.
ولا تقتصر المواجهة على الجانب المادي. فحملات التضليل والتلاعب بالمعلومات أصبحت جزءاً أساسياً من الصراع، من خلال شبكات آلية وأدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بهدف التأثير في الرأي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية والانتخابات وتقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
وتحاول بروكسل وحلف شمال الأطلسي الانتقال من الدفاع السلبي إلى الردع والاستجابة المبكرة، عبر تعزيز التعاون الاستخباراتي، وفرض عقوبات على الجهات المتورطة، وتطوير فرق متخصصة للتعامل مع الهجمات الهجينة. إلا أن خبراء أوروبيين يرون أن سرعة تطور هذه التهديدات لا تزال تتجاوز سرعة استجابة المؤسسات الأوروبية.
وتحذر مصادر دبلوماسية من أن موسكو تستفيد من منطقة رمادية بين السلم والحرب، حيث يمكن تنفيذ عمليات تخريب أو تحليق مسيّرات أو هجمات إلكترونية دون الوصول إلى مستوى هجوم عسكري مباشر قد يدفع حلف الناتو إلى مواجهة مفتوحة.
وتشمل المخاطر قطاعات تعتبرها أوروبا حيوية، مثل الطاقة والمياه والنقل والقطاع المالي والاتصالات. ولذلك بات الأمن السيبراني جزءاً أساسياً من الأمن اليومي، وليس مجرد قضية تقنية متخصصة.
التضليل.. جبهة أخرى
يؤكد محللون أوروبيون أن المعلومات المضللة تمثل إحدى أهم ساحات الحرب الهجينة. ويشير خافيير كاربونيل، محلل السياسات الأوروبية في مركز السياسة الأوروبية ببروكسل، إلى رصد نحو 10 آلاف قناة لنشر التضليل خلال عام 2025 وحده، مع استمرار الجدل حول حجم تأثيرها الفعلي على المواطنين.
ويرى كاربونيل أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد فقط على المؤسسات الحكومية، بل تحتاج إلى صحافة قوية ومجتمع مدني قادر على التحقق من المعلومات، إضافة إلى مواطنين أكثر وعياً بآليات التلاعب الرقمي.
وفي هذا السياق، حذرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من استعداد روسيا لمزيد من أعمال التخريب والهجمات التي تستهدف الديمقراطيات الأوروبية وتزيد الانقسامات داخل المجتمعات.
وتكشف هذه التطورات أن مفهوم الحرب في أوروبا تغير بصورة كبيرة. فالمواجهة الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى دبابات وصواريخ؛ فقد تبدأ بمسيرة فوق المجال الجوي، أو هجوم إلكتروني، أو تعطيل شبكة كهرباء، أو حملة تضليل على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولهذا تواجه أوروبا تحدياً جديداً: حماية أمنها وبنيتها التحتية ومؤسساتها الديمقراطية في حرب لا تعلن رسمياً، ولا تجري بالضرورة في ساحات المعارك، لكنها تؤثر تدريجياً في الحياة اليومية للمواطنين.

