احمد بن عكروط
بين تفهّم الاختيارات السياسية لحزب الأصالة والمعاصرة، وضرورة مواجهة الأزمات الاجتماعية الكبرى، تقف الحكومة المقبلة أمام امتحان حقيقي قد يحدد مستقبل الحزب ومكانته في المشهد السياسي المغربي.
إن التركيبة الحكومية المرتقبة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وما يرافقها من توجه نحو التحالف مع أحزاب الكتلة الديمقراطية، تفتح الباب أمام نقاش سياسي يتجاوز الحسابات المرتبطة بتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المشروع السياسي الذي يراد تقديمه للمغاربة، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظاراتهم الاجتماعية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفهّم عدد من الاختيارات المطروحة، بالنظر إلى طبيعة حزب الأصالة والمعاصرة ومساره السياسي، لكن التفهّم لا يعني إعفاء هذه التجربة الحكومية من المساءلة، ولا يمنحها شيكاً على بياض. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة ليس فقط مدى انسجام مكوناتها أو قدرتها على تدبير التوازنات السياسية، وإنما أساساً قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين.
أولاً: البام بين جذوره اليسارية واختياراته السياسية الجديدة
لا يمكن قراءة توجه حزب الأصالة والمعاصرة نحو أحزاب الكتلة الديمقراطية بمعزل عن طبيعة الحزب وخلفيات تأسيسه ومساره السياسي. فقد استقطب الحزب، منذ نشأته، عدداً من الأطر والفاعلين ذوي الخلفيات اليسارية والتقدمية، كما شكلت هذه الخلفيات جزءاً من النقاش حول هويته السياسية ومشروعه المجتمعي.
ومن ثم، فإن التقارب مع أحزاب ذات تاريخ سياسي ونضالي، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إلى جانب حزب الاستقلال، يمكن أن يُفهم باعتباره سعياً إلى بناء أغلبية تستند إلى مرجعيات سياسية متنوعة، لكنها تمتلك، نظرياً على الأقل، إمكانية الالتقاء حول قضايا الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
إن هذا الاختيار لا يبدو غريباً تماماً عن بعض مكونات الهوية السياسية للبام، خاصة إذا استحضرنا أن الحزب قدم نفسه، في محطات متعددة، باعتباره قوة سياسية حداثية ومنفتحة على الإصلاح.
لكن الإشكال لا يكمن في التقارب مع أحزاب الكتلة الديمقراطية في حد ذاته، بل في مدى قدرة هذا التقارب على إنتاج مشروع حكومي متماسك، يتجاوز الاختلافات الإيديولوجية والحسابات التنظيمية نحو برنامج واضح المعالم والأهداف.
فالتاريخ المشترك، أو التقاطع في بعض المرجعيات، لا يكفيان لضمان النجاح. وما تحتاج إليه البلاد اليوم هو تحويل التوافق السياسي إلى تعاقد اجتماعي حقيقي، يشعر المواطن من خلاله بأن صوته الانتخابي لم يكن مجرد وسيلة لتغيير موازين القوى بين الأحزاب، وإنما أداة لتحسين شروط عيشه وصون كرامته.
ثانياً: هل يشكل التحالف مع الكتلة الديمقراطية اختياراً منسجماً مع هوية البام؟
قد يبدو هذا التحالف، للوهلة الأولى، أقرب إلى بعض الخلفيات الفكرية والسياسية التي ساهمت في تشكيل صورة حزب الأصالة والمعاصرة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول طبيعة التحول الذي عرفه الحزب، وحول قدرته على التوفيق بين مرجعيته المعلنة ومتطلبات ممارسة السلطة.
فالأحزاب لا تُقاس فقط بتاريخ مؤسسيها أو الخلفيات الفكرية لقياداتها، وإنما أيضاً بمواقفها من القضايا الاجتماعية، وبمدى التزامها بمبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة.
وإذا كان التقارب مع الكتلة الديمقراطية يتيح للبام إمكانية الاستفادة من رصيد سياسي وتاريخي متراكم لدى هذه الأحزاب، فإنه يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في تجديد الثقة في العمل السياسي وإعادة الاعتبار للأحزاب باعتبارها مؤسسات قادرة على إنتاج الحلول، لا مجرد آليات للوصول إلى السلطة.
كما أن استحضار تجربة الكتلة الديمقراطية التاريخية لا ينبغي أن يتحول إلى استدعاء رمزي للماضي. فالسياق المغربي اليوم مختلف، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيداً، وانتظارات الشباب والطبقات المتوسطة والفئات الهشة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات أو الوعود العامة.
إن المطلوب ليس إعادة إنتاج تحالفات الماضي بصيغ جديدة، بل بناء أغلبية قادرة على تقديم إجابات عملية عن أسئلة الحاضر والمستقبل.
ثالثاً: الأزمة الاجتماعية هي الامتحان الحقيقي للحكومة
بعيداً عن النقاشات المرتبطة بالهوية السياسية والتحالفات الحزبية، تظل الأزمة الاجتماعية هي القضية المركزية التي ينبغي أن تحتل صدارة أولويات الحكومة المقبلة.
فالمواطن المغربي لا ينتظر من الحكومة فقط أن تكون منسجمة سياسياً، ولا يعنيه بالضرورة أن تكون مكوناتها متقاربة إيديولوجياً أو مختلفة في مرجعياتها. ما ينتظره هو أن يلمس أثراً مباشراً للسياسات العمومية في حياته اليومية.
إن ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، واستمرار معاناة عدد من الأسر مع مصاريف التعليم والعلاج والسكن، إلى جانب التفاوتات المجالية وضعف جودة بعض الخدمات العمومية، كلها قضايا تفرض نفسها بإلحاح على أي حكومة تطمح إلى كسب ثقة المواطنين.
ولا يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال تدابير ظرفية أو برامج متفرقة لا يجمع بينها تصور استراتيجي واضح. فالأمر يتطلب سياسة اجتماعية مندمجة، تربط بين التشغيل والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، وتضمن توجيه الموارد العمومية نحو الفئات والمجالات الأكثر حاجة.
كما أن توسيع التغطية الاجتماعية، على أهميته، لا ينبغي أن يظل هدفاً إدارياً أو مؤشراً رقمياً. فالقيمة الحقيقية لهذا الورش تقاس بمدى استفادة المواطن من العلاج في ظروف تحفظ كرامته، وبمدى قدرته على تحمل تكاليفه، وبمدى تحسن الخدمات المقدمة إليه.
وفي قطاع التعليم، لا يكفي الحديث عن الإصلاح دون معالجة الاكتظاظ والفوارق بين المؤسسات والمجالات، والارتقاء بجودة التعلمات، وربط التكوين بمتطلبات سوق الشغل.
أما في مجال التشغيل، فإن الرهان لا يتعلق فقط بإعلان أرقام عن فرص العمل، بل بخلق وظائف مستقرة ولائقة، وتوفير آفاق حقيقية للشباب، ودعم المبادرات الاقتصادية المنتجة، وتوسيع فرص الاندماج المهني أمام الفئات التي تجد صعوبة في دخول سوق العمل.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق تشكيل الحكومة ليس فقط: من سيشارك فيها؟ بل: ما الذي ستفعله هذه الحكومة، تحديداً، لتخفيف العبء عن الأسر المغربية وإعادة الأمل إلى الشباب؟
رابعاً: هل تستطيع حكومة البام والكتلة الديمقراطية تقليص الفوارق الاجتماعية؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي سيحدد قيمة التجربة الحكومية المقبلة.
فاجتماع حزب الأصالة والمعاصرة مع أحزاب ذات امتداد تاريخي في الحركة الوطنية واليسار المغربي يمكن أن يشكل فرصة لبناء توافق سياسي حول الأولويات الاجتماعية. لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر للتناقضات إذا لم تتفق مكونات الأغلبية على تصور واضح للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
إن تقليص الفوارق الاجتماعية لا يتحقق بمجرد رفع الإنفاق العمومي، ولا من خلال تقديم مساعدات ظرفية فقط، بل يستلزم إعادة النظر في كيفية توزيع ثمار النمو، وتحسين فعالية الاستثمار العمومي، ومحاربة الريع والفساد وتضارب المصالح، وتوجيه السياسات الاقتصادية نحو خلق القيمة المضافة وفرص العمل.
كما يتطلب الأمر تعزيز العدالة المجالية، حتى لا تظل فرص التنمية والخدمات الأساسية مركزة في مناطق بعينها، بينما تستمر مناطق أخرى في مواجهة ضعف البنيات التحتية ومحدودية فرص الاستثمار والتشغيل.
ويظل إصلاح الإدارة العمومية شرطاً أساسياً لإنجاح أي سياسة اجتماعية؛ إذ لا فائدة من البرامج الطموحة إذا اصطدمت بالتعقيدات الإدارية أو ضعف التنسيق أو غياب آليات التقييم والمحاسبة.
وهنا تبرز مسؤولية رئيسة الحكومة ومكونات الأغلبية في الانتقال من منطق تدبير القطاعات بشكل منفصل إلى منطق الحكومة التي تتحمل المسؤولية الجماعية عن النتائج.
فلا يمكن لوزير أن يبرر فشل قطاعه بالاختباء وراء حدود اختصاصاته، ولا يمكن لحزب أن ينسب لنفسه الإنجازات ويتنصل من الإخفاقات التي تقع داخل الأغلبية التي يشارك فيها.
إن المواطن لا يتعامل مع الحكومة باعتبارها مجموعة أحزاب متنافسة، بل باعتبارها سلطة تنفيذية مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية وتحقيق الالتزامات المعلنة.
خامساً: منطق المسؤولية المشتركة بدل الحسابات الحزبية الضيقة
إن إحدى نقاط القوة المحتملة في هذه التركيبة الحكومية تكمن في قدرتها على جمع تجارب سياسية مختلفة داخل أغلبية واحدة. غير أن هذا التنوع لن يكون مكسباً إلا إذا تحول إلى تكامل في الرؤى وتوزيع واضح للمسؤوليات.
أما إذا انشغلت مكونات الحكومة بتدبير التوازنات الداخلية، والتنافس على المواقع، وحماية المصالح الحزبية، فإن المواطن سيكون أول من يدفع ثمن هذا الاختلال.
ولهذا، ينبغي أن تقوم التجربة المقبلة على تعاقد حكومي معلن يتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وآجالاً محددة للتنفيذ، ومؤشرات واضحة لتقييم النتائج.
ففي التشغيل، ينبغي الإعلان عن أهداف واقعية ومتابعة مدى تحققها. وفي الصحة، يجب قياس التحسن من خلال الولوج إلى العلاج وجودة الخدمات وتقليص آجال الانتظار. وفي التعليم، ينبغي التركيز على جودة التعلمات ومحاربة الهدر المدرسي. وفي السكن والحماية الاجتماعية، يجب أن يكون معيار النجاح هو مدى استفادة الفئات المستهدفة فعلياً.
كما أن نشر المعطيات المتعلقة بتقدم البرامج الحكومية، وإخضاع السياسات العمومية للتقييم المستقل، وتعزيز الرقابة البرلمانية، كلها آليات من شأنها أن تحول الالتزامات السياسية إلى مسؤولية قابلة للمحاسبة.
فالأغلبية التي تطلب ثقة المواطنين مطالبة أيضاً بتقديم الحساب لهم.
سادساً: فشل الحكومة لن يكون مجرد إخفاق عابر
إن خطورة المرحلة المقبلة تكمن في أن فشل الحكومة، إن حدث، لن يقتصر أثره على تراجع شعبية حزب الأصالة والمعاصرة أو باقي مكونات الأغلبية، بل قد يتجاوز ذلك إلى تعميق أزمة الثقة في العمل السياسي والمؤسسات الحزبية.
فحزب الأصالة والمعاصرة، بعد تصدره الانتخابات وتكليفه بقيادة الحكومة، سيكون أمام فرصة تاريخية لإثبات قدرته على الانتقال من موقع المشاركة في التدبير الحكومي إلى موقع القيادة وتحمل المسؤولية المباشرة عن الحصيلة.
وهذا التحول يفرض عليه مستوى أعلى من الالتزام والوضوح والقدرة على الإنجاز. فقيادة الحكومة ليست امتيازاً سياسياً فحسب، وإنما مسؤولية ثقيلة تتطلب تقديم نتائج ملموسة والاستعداد لتحمل تبعات القرارات والإخفاقات.
وإذا عجزت الحكومة عن تقديم أجوبة مقنعة عن المشكلات الاجتماعية، أو استمرت الأوضاع المعيشية في إثقال كاهل الأسر دون إجراءات فعالة، فإن الكلفة السياسية قد تكون كبيرة، خصوصاً بالنسبة إلى الحزب الذي يتصدر الأغلبية ويتحمل مسؤولية قيادتها.
وقد يجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة: تغيير في موازين القوى الحزبية، دون تغيير ملموس في شروط الحياة اليومية.
وعندها، لن يكون التراجع في الثقة موجهاً إلى حزب بعينه فقط، بل قد يمتد إلى الاعتقاد بأن تداول الأحزاب على المسؤولية لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وهذا ما يجعل نجاح الحكومة ضرورة سياسية ومجتمعية، وليس مجرد رهان انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة.
سابعاً: المطلوب حكومة تنتج الأمل لا مجرد أغلبية عددية
إن المغرب لا يحتاج اليوم إلى أغلبية حكومية تستمد قوتها من عدد المقاعد وحده، وإنما إلى أغلبية تمتلك الإرادة السياسية والقدرة التدبيرية والشجاعة اللازمة لاتخاذ القرارات الضرورية.
فالتحديات المطروحة تتطلب رؤية اقتصادية واضحة، وسياسة اجتماعية عادلة، وإدارة فعالة، ومؤسسات قادرة على محاربة الاختلالات، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الاستثمار والتنمية وحقوق المواطنين في الخدمات الأساسية والعيش الكريم.
كما تتطلب شجاعة سياسية في ترتيب الأولويات؛ لأن الموارد ليست بلا حدود، ولأن نجاح الحكومة لن يقاس بعدد المشاريع التي تعلن عنها، وإنما بمدى قدرتها على اختيار ما هو أكثر إلحاحاً وتأثيراً في حياة المواطنين.
ومن الضروري كذلك أن تنفتح الحكومة على النقابات والهيئات المهنية والمجتمع المدني والخبراء والفاعلين المحليين، وأن تجعل الحوار الاجتماعي وسيلة حقيقية لإنتاج الحلول، لا مجرد محطة شكلية لتبادل المواقف.
فالمجتمع ليس متلقياً سلبياً للسياسات العمومية، بل شريك في صياغتها ومراقبة تنفيذها وتقييم آثارها.
خاتمة: بين تفهّم الاختيار السياسي وضرورة النجاح الاجتماعي
يمكن تفهّم اختيار حزب الأصالة والمعاصرة التوجه نحو أحزاب الكتلة الديمقراطية، بالنظر إلى طبيعة الحزب وبعض جذوره الفكرية والسياسية، وإلى ما يمكن أن يتيحه هذا التحالف من إمكانات لبناء أغلبية تجمع بين مرجعيات مختلفة حول مشروع وطني مشترك.
لكن التفهّم السياسي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية: إن شرعية الحكومة في نظر المواطنين لا تتعزز فقط بطريقة تشكيلها، بل بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
فإذا استطاعت هذه الحكومة أن تجعل من التعليم والصحة والتشغيل والسكن والعدالة الاجتماعية أولويات فعلية، وأن تنجح في تقليص الفوارق وتحسين جودة الخدمات العمومية، فإنها ستمنح حزب الأصالة والمعاصرة ومكونات الأغلبية فرصة لترسيخ الثقة في مشروعهم السياسي.
أما إذا تحولت التركيبة الحكومية إلى مجرد توافق لتدبير السلطة، دون أثر ملموس في حياة المواطنين، فإن الخيبة ستكون أكبر من حدود الفشل الحكومي المعتاد.
إن التحدي الحقيقي أمام حكومة البام والكتلة الديمقراطية ليس إثبات قدرتها على تشكيل أغلبية، بل إثبات قدرتها على إحداث تغيير يشعر به المواطن المغربي في حياته اليومية.
فالحكومات لا تدخل التاريخ بمجرد التحالفات التي ت إلى نكسة سياسية قوية، ليس لحزب الأصالة والمعاصرة وحده، بل للثقة في العمل الحزبي برمته.

