جدّد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ثقته في المختار ولد أجاي، عقب استقالة حكومته في أعقاب صدور تقرير التحقيق في حرائق محطتي الكهرباء بنواكشوط، ليقود تشكيلة جديدة تجمع بين الاستمرارية والتغيير، وسط انتقادات معارضة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الاختلالات التي كشفتها الأزمة.
عاد المختار ولد أجاي إلى رئاسة الحكومة الموريتانية، بعدما أعاد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، في خطوة تؤكد استمرار الرهان الرئاسي على أحد أبرز الوجوه التي تولت إدارة الملفات الاقتصادية والمالية خلال السنوات الماضية، رغم الضغوط التي أعقبت أزمة انقطاع الكهرباء وتداعياتها السياسية والإدارية.
وجاء القرار بعد ساعات من تقديم ولد أجاي استقالة حكومته، يوم الجمعة 9 أكتوبر، عقب تسلّم الرئيس تقرير لجنة التحقيق المستقلة بشأن الحريقين اللذين طالا محطتي تحويل كهربائي رئيسيتين في العاصمة نواكشوط خلال غشت الماضي، وأديا إلى انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي استمرت عدة أيام في مناطق من العاصمة ومحيطها.
ورغم التزامن الواضح بين الاستقالة وتسلم التقرير، لم تعلن الرئاسة الموريتانية رسمياً أن الحادث كان السبب المباشر وراء إنهاء مهام الحكومة، غير أن التطورات المتلاحقة وضعت أداء القطاعات المعنية بالبنية التحتية والطاقة تحت مجهر المساءلة، وفتحت نقاشاً بشأن المسؤوليات الإدارية والسياسية المرتبطة بالأزمة.
أزمة الكهرباء تختبر ثقة الغزواني في ولد أجاي
لم تمر حرائق محطتي الكهرباء من دون تداعيات على المشهد الحكومي الموريتاني. فقد أعادت الأزمة النقاش بشأن كفاءة إدارة المشاريع العمومية، وآليات المراقبة الفنية، ومدى قدرة المؤسسات الحكومية على تفادي الأعطاب التي تمس الخدمات الأساسية للمواطنين.
وكشف تقرير لجنة التحقيق المستقلة عن اختلالات في إعداد مشروع الوصلات الكهربائية وتنفيذه ومراقبته، شملت جوانب فنية وإدارية مرتبطة بتغيير مواصفات بعض الكابلات وضعف الإشراف على الأشغال، فضلاً عن ملاحظات تتعلق بشروط إسناد الصفقة وآجال التنفيذ.
وأمام هذه المعطيات، أمر الرئيس الموريتاني بنشر التقرير واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق توصيات اللجنة، بما يشمل تحديد المسؤوليات ومعالجة الاختلالات المسجلة وتعزيز إجراءات الوقاية في المنشآت الكهربائية.
لكن التطور الأبرز لم يكن استقالة الحكومة في حد ذاتها، بل قرار الرئيس إعادة تكليف ولد أجاي بعد وقت قصير من تقديم الاستقالة. فبدلاً من أن تتحول الأزمة إلى مناسبة لتغيير رئيس الجهاز التنفيذي، اختار الغزواني الإبقاء على الرجل الذي يقود الحكومة منذ غشت 2024، مع إعادة تشكيل الفريق الوزاري وإجراء تغييرات في عدد من الحقائب.
ويعكس هذا القرار توجهاً نحو احتواء تداعيات الأزمة من داخل السلطة التنفيذية، مع إعادة توزيع المسؤوليات وإتاحة المجال أمام وجوه جديدة، دون التخلي عن رئيس الحكومة الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بإدارة الملفات المالية والاقتصادية للدولة.
غير أن تجديد الثقة لا ينهي الأسئلة التي أثارتها الأزمة، خصوصاً بشأن حدود المسؤولية السياسية لرئيس الحكومة عن أداء القطاعات التابعة له، ومدى قدرة التعديل الوزاري على إحداث تغيير ملموس في طريقة تدبير المرافق العمومية.
تكوين أكاديمي من المغرب وفرنسا
يحمل المسار الأكاديمي للمختار ولد أجاي بعداً يهم العلاقات بين موريتانيا والمغرب، إذ تلقى جزءاً أساسياً من تكوينه العالي في الرباط، قبل مواصلة دراسته في فرنسا، في مسار جمع بين التخصص في الإحصاء والاقتصاد والتخطيط.
فقد التحق ولد أجاي بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي (INSEA) بالرباط، حيث حصل سنة 1997 على شهادة مهندس دولة في الإحصاء والتخطيط، وهو تكوين يرتبط بمجالات تحليل البيانات الاقتصادية وإعداد المؤشرات وتقييم السياسات العمومية.
وبعد ذلك، واصل دراسته في جامعة تولوز الفرنسية، حيث حصل سنة 2002 على شهادة في الإحصاء والاقتصاد القياسي، ليعزز خلفيته العلمية في المجالات المرتبطة بالتحليل الاقتصادي والمالي.
وقد شكل هذا التكوين قاعدة لمساره المهني، الذي انطلق عبر العمل في مشاريع مرتبطة بسوق الشغل والتشغيل، قبل الانتقال إلى وظائف إدارية واستشارية، ثم تولي مناصب حكومية ذات صلة مباشرة بالضرائب والمالية والاقتصاد.
ويبرز هذا المسار جانباً من الروابط الأكاديمية التي تجمع موريتانيا بالمغرب، حيث تستقطب المؤسسات الجامعية المغربية طلبة من دول الجوار، خصوصاً في التخصصات التقنية والاقتصادية. وفي حالة ولد أجاي، تجاوزت تجربة الدراسة بالرباط بعدها التعليمي لتصبح جزءاً من سيرة مسؤول سياسي يتولى اليوم إدارة الحكومة في بلد تربطه بالمغرب علاقات سياسية واقتصادية وإقليمية مهمة.
من سوق الشغل إلى وزارة المالية
بدأ ولد أجاي مساره المهني سنة 1998، عندما تولى مسؤولية نظام المعلومات المتعلق بسوق التشغيل ضمن مشروع السياسة الوطنية للتشغيل، الممول من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهو المنصب الذي شغله حتى سنة 2003.
وانتقل بعد ذلك إلى مجال المتابعة والتقييم في مشروع للتهذيب والتكوين، بالتوازي مع إدارة مكتب دراسات متخصص في المجالات الإحصائية والاقتصادية، وهي تجارب مكنته من اكتساب خبرة في تحليل المعطيات ومواكبة البرامج العمومية.
أما دخوله الرسمي إلى العمل الحكومي، فكان سنة 2008، عندما عُيّن مستشاراً لوزير التعليم، مكلفاً بالاستراتيجيات والمتابعة والتقييم.
وفي سنة 2010، تولى إدارة الإدارة العامة للضرائب، وهو منصب ظل يشغله حتى مطلع سنة 2015، قبل تعيينه وزيراً للمالية. ثم انتقل إلى وزارة الاقتصاد والمالية، التي تولى تدبيرها بين فبراير 2016 وغشت 2019.
وخلال هذه المرحلة، برز ولد أجاي ضمن الوجوه الحكومية المرتبطة بتدبير الموارد المالية للدولة، وإدارة السياسة الجبائية، ومواكبة الملفات الاقتصادية، وهي مجالات أساسية في بلد يواجه تحديات تتعلق بالتنمية والبنية التحتية وفرص التشغيل وتوسيع قاعدة الخدمات العمومية.
وبعد مغادرته الوزارة، واصل مساره داخل مؤسسات الدولة، إذ تولى إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم»، إحدى أبرز المؤسسات الاقتصادية الموريتانية، قبل تعيينه وزيراً مكلفاً بديوان رئيس الجمهورية.
واستمر في هذا المنصب حتى غشت 2024، حين أسند إليه الغزواني رئاسة الحكومة بالتزامن مع بداية ولايته الرئاسية الثانية.
حكومة جديدة.. تغيير في الحقائب واستمرار في النهج
لم يقتصر القرار الرئاسي على إعادة تعيين ولد أجاي، بل شمل أيضاً تشكيل حكومة جديدة أعيد فيها توزيع عدد من الحقائب الوزارية، مع خروج مجموعة من الوزراء السابقين ودخول أسماء جديدة إلى الجهاز التنفيذي.
وبحسب المعطيات المتعلقة بالتشكيلة الجديدة، احتفظ نحو 17 وزيراً بمناصبهم السابقة، فيما غادر آخرون الحكومة، وانتقل بعض الوزراء إلى قطاعات مختلفة. ويشير هذا التعديل إلى محاولة الجمع بين الحفاظ على قدر من الاستمرارية الإدارية وإدخال تغييرات في مواقع حكومية ارتبط بعضها بالملفات التي كانت موضع انتقاد خلال الفترة الماضية.
ومن أبرز التغييرات تعيين با عثمان وزيراً للدفاع، وإسناد وزارة الطاقة إلى محمد ولد عبد الفتاح، في وقت استمر فيه محمد سالم ولد مرزوك على رأس وزارة الخارجية، ومحمد ولد اسويدات في وزارة العدل.
وتكتسب التغييرات في قطاع الطاقة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الأزمة التي سبقت استقالة الحكومة ارتبطت بحرائق محطتي التحويل الكهربائي وما كشفته التحقيقات من اختلالات في تنفيذ الأشغال ومراقبتها. ولذلك، فإن التحدي أمام المسؤولين الجدد لا يقتصر على استعادة انتظام الخدمة، بل يشمل أيضاً تنفيذ توصيات التحقيق ومعالجة مكامن الخلل في تدبير البنية التحتية الكهربائية.
كما تواجه الحكومة الجديدة ملفات اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها التشغيل، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز القدرة الشرائية، وتطوير البنية التحتية، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة. وهي ملفات ستحدد، إلى جانب طريقة التعامل مع تداعيات أزمة الكهرباء، مدى قدرة التشكيلة الجديدة على إظهار اختلاف ملموس في الأداء الحكومي.
معارضة تشكك في جدوى تجديد الثقة
على الرغم من إعادة تكليفه، يواجه ولد أجاي انتقادات من قوى المعارضة الموريتانية التي ترى أن استمرار الوجوه الحكومية نفسها لا يقدم بالضرورة مؤشرات كافية على الاستجابة للمطالب السياسية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، اعتبر النائب البرلماني المعارض بيرام ولد الداه أعبيد أن المختار ولد أجاي يتحمل مسؤولية سياسية عن الاختلالات التي يشهدها أداء الدولة، معتبراً أن الإبقاء عليه في منصبه يعني استمرار النهج نفسه وتجاهل المطالب بالتغيير.
وتعكس هذه المواقف خلافاً أوسع بشأن تقييم أداء السلطة التنفيذية، وحدود المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها رئيس الحكومة في الأزمات التي تمس الخدمات الأساسية، حتى عندما تكون الاختلالات موزعة بين قطاعات وإدارات ومؤسسات مختلفة.
فمن جهة، يراهن الرئيس الغزواني على استمرارية القيادة الحكومية، مع تعديل التشكيلة وإعادة توزيع الحقائب. ومن جهة أخرى، تطالب المعارضة بأن تتجاوز المحاسبة تغيير بعض المسؤولين إلى مراجعة أساليب التسيير والرقابة، وربط المسؤولية بالنتائج الفعلية على الأرض.
وفي ظل هذه المعادلة، سيكون على ولد أجاي إثبات أن تجديد الثقة به لا يعني الاكتفاء بإعادة ترتيب الفريق الحكومي، بل القدرة على التعامل مع الاختلالات التي كشفتها الأزمة، وتحويل توصيات التحقيق إلى إجراءات عملية تضمن عدم تكرارها.
اختبار جديد لولد أجاي
تضع عودة المختار ولد أجاي إلى رئاسة الحكومة الموريتانية الرجل أمام اختبار سياسي وإداري جديد، فمساره الطويل في الملفات الاقتصادية والمالية، وتوليه مناصب بارزة داخل مؤسسات الدولة، لم يمنع بروز مطالب بمراجعة الأداء الحكومي عقب أزمة الكهرباء.
كما أن تكوينه الأكاديمي في المغرب وفرنسا، وخبرته في الضرائب والمالية والإدارة الاقتصادية، تضعه أمام توقعات تتعلق بقدرته على تحسين التسيير العمومي وتعزيز فعالية المؤسسات. غير أن نجاحه لن يُقاس بشهاداته أو المناصب التي شغلها، بل بمدى انعكاس السياسات الحكومية على حياة المواطنين، وبالقدرة على معالجة الاختلالات التي أظهرتها الأزمة الأخيرة.
وبين رهان الرئاسة على الاستمرارية وضغوط المعارضة المطالبة بالمحاسبة، تدخل الحكومة الموريتانية الجديدة مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع التحديات الاقتصادية والخدمية.
وفي المحصلة، فإن تجديد الثقة في ولد أجاي لا يمثل مجرد استمرار لمسار حكومي بدأ سنة 2024، بل اختباراً لقدرة السلطة التنفيذية على احتواء تداعيات أزمة الكهرباء، وترسيخ مبدأ المسؤولية، وإقناع الموريتانيين بأن التغيير في التشكيلة الحكومية يمكن أن يقود إلى تغيير فعلي في الأداء، لا أن يظل محصوراً في إعادة توزيع المناصب.
ملاحظة تحريرية: استقالة الحكومة تزامنت مع تسلّم الرئيس تقرير لجنة التحقيق في حرائق الكهرباء، لكن الرئاسة لم تعلن رسمياً أن التقرير هو السبب المباشر للاستقالة؛ لذلك صيغ الربط بين الحدثين بصيغة حذرة. كما تناولت التغطية نتائج التحقيق الاختلالات الفنية والإدارية التي تستدعي تحديد المسؤوليات.

