يونس لقطارني
من حماية استثمارات سوناطراك إلى توسيع النفوذ في الساحل.. هل يتحول الانتشار العسكري الجزائري في النيجر إلى مغامرة تتجاوز حسابات القيادة؟
يبدو أن السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، يريد نقل المؤسسة العسكرية إلى مرحلة جديدة من الحضور خارج الحدود، في خطوة تتجاوز عقيدة التحفظ التقليدية التي حكمت السياسة الدفاعية الجزائرية لعقود. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الجزائر قادرة على إرسال قوات إلى النيجر، بل ما إذا كانت قادرة على ضمان أن تعود هذه القوات بعدما تنجز مهمتها، من دون أن تجد نفسها عالقة في صراع تتعدد أطرافه وتتغير تحالفاته باستمرار.
في 25 أكتوبر الجاري، صادق البرلمان الجزائري بغرفتيه على إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، في قرار قالت السلطات إنه يستهدف حماية المصالح الطاقية الجزائرية وتنفيذ اتفاقيات التعاون الثنائي. وتأتي الخطوة بعد تقارب عسكري متسارع بين الجزائر ونيامي، وبعد إرسال طائرات مقاتلة جزائرية إلى العاصمة النيجيرية في غشت الماضي.
لكن حماية الاستثمارات النفطية، على أهميتها، لا تجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بالانتشار الجديد. فهل يتعلق الأمر بمهمة محدودة لحراسة المنشآت، أم أن الجزائر تسعى إلى تثبيت حضور أمني أوسع في منطقة الساحل، بعدما واجه نفوذها الإقليمي تحديات متزايدة؟
من حماية النفط إلى اختبار النفوذ
تقدم سوناطراك عنوانا اقتصاديا واضحا للتحرك الجزائري. غير أن وجود مصالح طاقية في منطقة مضطربة قد يفتح الباب أمام التزامات أمنية متصاعدة، خصوصا إذا تعرضت المنشآت أو طرق الإمداد لهجمات.
وهنا تكمن المفارقة: قد تدخل القوات الجزائرية تحت عنوان حماية الاستثمار، لكنها قد تجد نفسها مطالبة بتأمين محيط أوسع، والتعامل مع تهديدات لا يمكن احتواؤها بمجرد نشر وحدة عسكرية. وكلما اتسعت المهمة، ارتفعت كلفتها السياسية والمالية والعسكرية.
وتزداد حساسية القرار إذا صح ما أوردته تقارير عن احتمال استخدام قاعدة ماداما في شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، موقعا للانتشار. فقد أشارت صحيفة «لوموند» إلى هذا الاحتمال، وربطته بحسابات أمنية تتعلق بالممرات الحدودية وتحركات جماعات مسلحة في المنطقة. غير أن تفاصيل الانتشار وموقعه النهائي لم تكن محسومة في التقارير المنشورة.
إن تحويل هذا الاحتمال إلى موطئ قدم عسكري دائم سيعني أن الجزائر لا تحمي مصالحها الاقتصادية فحسب، بل تدخل أيضا في معادلات أمنية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها حسابات النيجر وليبيا ومالي والقوى الإقليمية المتنافسة.
البرلمان يمنح الغطاء.. فمن يحاسب على النتائج؟
لا تكمن الإشكالية في موافقة البرلمان على إرسال القوات، فالدستور الجزائري ينظم هذا الإجراء ويشترط موافقة غرفتي المؤسسة التشريعية. وإنما تكمن في ضرورة أن تتناسب أهمية القرار مع مستوى المساءلة بشأن أهدافه وحدوده وكلفته.
فالتصويت، حتى عندما يستوفي الشروط الدستورية، لا يغني عن الإجابة عن أسئلة أساسية: ما العدد الفعلي للعسكريين الذين سيُرسلون؟ ما مدة المهمة؟ ما قواعد الاشتباك؟ وما الخطة المعتمدة إذا تعرضت القوات لهجوم أو توسعت مسؤولياتها؟
هذه ليست تفاصيل تقنية ثانوية، بل عناصر تحدد الفارق بين عملية محدودة ومحسوبة وبين انتشار قد يصبح من الصعب إنهاؤه سياسيا أو عسكريا.
أما الاكتفاء بشعارات حماية المصالح الوطنية واستعادة الدور الإقليمي، فلا يقدم ضمانات كافية للجنود الذين سيجدون أنفسهم في الميدان، ولا للرأي العام الذي يتحمل في النهاية الكلفة المالية والسياسية لأي تعثر.
دروس الماضي لا تحسم معركة المستقبل
تستدعي هذه الخطوة محطات من تاريخ الجيش الجزائري خارج الحدود، من مشاركة قواته في حرب أكتوبر 1973 إلى المواجهات التي خاضها مع الجيش المغربي في حرب الرمال سنة 1963 ومعركة أمغالا سنة 1976.
لكن هذه المحطات، على اختلاف سياقاتها ونتائجها، لا تصلح وحدها دليلا على أن المهمة الجديدة ستنتهي بانتصار أو هزيمة. فالحروب النظامية بين الجيوش تختلف عن العمل في بيئة صحراوية تتداخل فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والصراعات الداخلية والتحالفات المتحركة.
والدرس الأهم ليس استحضار روايات الانتصارات والهزائم لتغذية الخصومة السياسية، بل إدراك أن القوة العسكرية لا تتحول تلقائيا إلى نفوذ مستدام، وأن السيطرة على موقع جغرافي لا تعني بالضرورة التحكم في البيئة الأمنية المحيطة به.
لقد تغيرت طبيعة التحديات في الساحل، وأصبح نجاح أي انتشار مرتبطا بوضوح أهدافه، وواقعية تقدير المخاطر، وقدرة الدولة على تحديد نقطة النهاية قبل الدخول في الميدان.
شنقريحة أمام امتحان النتائج
بالنسبة إلى شنقريحة، لا يتعلق الأمر بمجرد توقيع اتفاق عسكري أو الحصول على موافقة برلمانية، بل بإثبات أن توسيع الحضور العسكري الجزائري خارج الحدود يمكن أن يحقق أهدافا محددة من دون فتح جبهات إضافية.
وقد ينجح الانتشار في حماية منشآت نفطية وتعزيز التعاون مع السلطات النيجيرية. لكن هذا النجاح، إن تحقق، لا يعني بالضرورة أن الجزائر استعادت نفوذها الإقليمي أو أصبحت قادرة على فرض معادلاتها في الساحل. فالفارق كبير بين إنجاز مهمة ميدانية محدودة وبين إعادة تشكيل توازنات منطقة تتنافس فيها قوى متعددة.
أما إذا توسعت المهمة أو تعرضت القوات لهجمات متكررة، فقد تجد القيادة الجزائرية نفسها أمام معادلة صعبة: تعزيز الانتشار ورفع الكلفة، أو تقليصه بما قد يضعف الرسالة السياسية التي أرادت إظهارها.
هنا يكمن خطر البحث عن انتصار سياسي قبل ضمان شروط النجاح العسكري. فالقوة ليست في عبور الحدود، ولا في الإعلان عن حضور جديد، بل في القدرة على تحقيق الهدف المحدد ومنع تحوله إلى التزام مفتوح.
وقد يكون القرار الجزائري خطوة محسوبة لحماية مصالح اقتصادية حقيقية، وقد يتحول إلى مغامرة إذا اتسعت أهدافه عن قدرات تنفيذه. والحكم على التجربة لن تصنعه الشعارات ولا حسابات الخصومة الإقليمية، بل ما ستكشفه الوقائع عن طبيعة المهمة ومدتها ونتائجها.
في النيجر، لا يحتاج شنقريحة إلى انتصار إعلامي جديد بقدر ما يحتاج إلى استراتيجية واضحة تعرف لماذا تدخل، وما الذي تريد تحقيقه، ومتى تنسحب. أما إذا أصبح الانتشار وسيلة لإثبات النفوذ بدلا من تحقيق هدف محدد، فإن الانتصار الذي تبحث عنه القيادة قد يتحول إلى عبء يصعب تسويقه بوصفه نجاحا.

