يونس لقطارني – بنسليمان
مرة أخرى، يدفع شاب في مقتبل العمر حياته داخل أحد مقالع الحجارة بإقليم بنسليمان. شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، وفق المعطيات المتداولة، كان من المفترض أن يعود إلى أسرته في نهاية يوم العمل، فإذا به يعود إليها جثماناً، تاركاً وراءه أباً وأماً وأسرةً كان هو معيلها وسندها.
إنها مأساة إنسانية موجعة، لكنها تطرح سؤالاً أكبر من الحادث نفسه: إلى متى ستظل أرواح العمال في مقالع الحجارة مهددة، وإلى متى ستظل التحذيرات والشكايات تصطدم بآذان لا تسمع؟
لقد تحدثنا مراراً وتكراراً عن الوضع المقلق الذي تعرفه بعض المقالع بالإقليم، وعن حوادث أودت بحياة عمال، وعن ظروف عمل تثير أسئلة جدية بشأن شروط الصحة والسلامة المهنية. كما نبهنا إلى الغبار المتطاير الذي يهدد صحة السكان والفلاحين، وإلى الشاحنات الثقيلة التي تساهم في تدهور الطرقات، وتعرقل حركة السير، وتزيد من معاناة مستعملي هذه المسالك.
والأخطر من ذلك، ما يُثار بشأن غياب أبسط التجهيزات الضرورية في بعض مواقع العمل، من مرافق صحية وظروف ملائمة للعمال، إلى وسائل الحراسة والوقاية والتجهيزات الأساسية التي تفرضها طبيعة العمل داخل منشآت تحيط بها مخاطر الآلات الثقيلة وسحق الحجارة.
فهل يُعقل أن يخرج شاب من بيته بحثاً عن لقمة العيش، ليترك وراءه أسرةً مكلومة بسبب حادث كان من الممكن تفاديه لو توفرت شروط السلامة والمراقبة الصارمة؟
إننا لا نريد استباق نتائج التحقيق، ولا توجيه اتهامات إلى أي جهة قبل ثبوت مسؤوليتها، لكننا نطالب بكشف الحقيقة كاملة، وتحديد الظروف التي أدت إلى هذه الوفاة، والتحقق من مدى احترام المقلع المعني للقوانين ومعايير السلامة، وترتيب المسؤوليات القانونية على كل من يثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته.
وهنا نطرح أسئلة مشروعة لا يجوز تجاهلها:
من يمنح تراخيص استغلال المقالع بإقليم بنسليمان؟ ومن يتولى مراقبتها؟ وهل تُجرى زيارات ميدانية منتظمة للتحقق من شروط العمل والسلامة وحماية البيئة؟ ومن يراقب آثار الشاحنات الثقيلة على الطرقات؟ وهل تُتخذ الإجراءات اللازمة عندما تُسجل اختلالات أو مخالفات؟
ثم ما نصيب الساكنة المحلية والفلاحين من هذه الأنشطة؟ هل تستفيد المنطقة من فرص الشغل والتنمية بما يتناسب مع الأضرار التي تتحملها، أم أن نصيبها ينحصر في الغبار والضجيج والطرقات المتضررة ومخاطر حوادث الشغل؟
إن كثرة المقالع بالإقليم تفرض فتح نقاش جدي ومسؤول حول حكامتها ومراقبتها وآثارها الاجتماعية والبيئية. فلا يمكن أن يستمر استغلال الثروات الطبيعية دون ضمان كرامة العمال وسلامتهم، ودون حماية حقوق السكان والفلاحين، ودون محاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوز.
إن قيمة أي مشروع اقتصادي لا تُقاس بحجم الأرباح وحدها، بل أيضاً بمدى احترامه لحياة الإنسان وحقوقه. فلا تنمية تُبرّر موت عامل، ولا استثمار يعفي صاحبه من القانون، ولا ترخيص ينبغي أن يتحول إلى حصانة من المحاسبة.
ومن هذا المنطلق، نطالب بفتح تحقيق جدي في ملابسات هذه الوفاة، وإجراء افتحاص ميداني لشروط السلامة داخل المقالع المعنية، والتحقق من قانونية التراخيص واحترام دفاتر التحملات، مع نشر نتائج التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته.
كما ندعو السلطات المختصة إلى تشديد المراقبة على حركة الشاحنات الثقيلة، ومعالجة الأضرار التي تلحق بالطرقات، واتخاذ تدابير للحد من الغبار وحماية الفلاحين والساكنة المجاورة.
لقد سبق أن أُثيرت هذه المخاوف أكثر من مرة، ولذلك لم يعد مقبولاً أن تبقى الأسئلة معلقة إلى أن تقع مأساة جديدة. المطلوب اليوم ليس تبادل التصريحات، بل إجراءات ملموسة ومحاسبة واضحة، حتى لا تتحول أرواح العمال إلى ثمن متكرر لاستمرار الاختلالات.
رحم الله الشاب الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم والديه وأسرته الصبر والسلوان.
وعظّم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

