تثير الاتهامات التي وجهتها حكومة النيجر إلى تشاد، بشأن هجوم بطائرات مسيّرة انطلاقاً من الأراضي التشادية، بدعم من فرنسا، تساؤلات حول احتمال تحول التوتر بين البلدين إلى مواجهة تتجاوز خلافاتهما الثنائية، في ظل تشابك المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية في منطقة الساحل.
وبحسب الرواية التي أعلنتها نيامي، فإن الهجوم الذي وقع في منطقة ديفا يوم 24 أكتوبر 2026، أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة آخرين. وأعلنت السلطات النيجرية توجهها إلى مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي، والمطالبة بتحقيق دولي مستقل، مع الاحتفاظ بحق اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية للدفاع عن سيادة البلاد. وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقق مستقل.
وتكتسب الأزمة حساسية إضافية في ظل تباين علاقات البلدين الإقليمية. فتشاد تحتفظ بعلاقات مع معسكر خليفة حفتر والإمارات العربية المتحدة، بينما تربط النيجر علاقات وثيقة بالجزائر، التي أعلنت بدورها قراراً بشأن تدخل عسكري في النيجر، وفق المعطيات الواردة في هذا السياق. كما يضيف وجود جماعات مسلحة معارضة للسلطات التشادية داخل الأراضي النيجرية عاملاً آخر من عوامل التوتر بين نيامي وانجمينا.
فهل يتعلق الأمر بأزمة حدودية وأمنية قابلة للاحتواء، أم أن البلدين يقتربان من مواجهة بالوكالة تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية؟
إن تزامن هذه التطورات مع تصاعد التنافس على النفوذ في منطقة الساحل يثير مخاوف من تحول أراضي البلدين إلى ساحة لتصفية الحسابات، خصوصاً إذا تداخلت الخلافات الثنائية مع دعم أطراف خارجية لقوى متنافسة. لكن إثبات وجود حرب بالوكالة يتطلب أدلة واضحة على طبيعة هذا الدعم والجهات المستفيدة منه، ولا يكفي وحده تباين التحالفات السياسية والعسكرية.
وفي حال اتساع دائرة التصعيد، لن تكون نيامي وانجمينا بمنأى عن تداعياته الأمنية والاقتصادية، بينما قد تتحمل المناطق الحدودية والسكان المدنيون الكلفة الأكبر، وسط مخاطر اتساع نشاط الجماعات المسلحة وتعقيد جهود الاستقرار الإقليمي.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد من دفع النيجر وتشاد نحو مواجهة مفتوحة؟ وهل تستطيع قيادتا البلدين احتواء الأزمة عبر التحقيق المستقل والقنوات الدبلوماسية، أم ستتقدم حسابات التحالفات والنفوذ على مصالح الشعبين؟
في منطقة أنهكتها النزاعات وتنافس القوى الخارجية، قد يكون أخطر ما في هذه الأزمة أن يتحول الخلاف بين دولتين جارتين إلى صراع تتعدد أطرافه، بينما تتراجع فرص التسوية وتتحمل الشعوب فاتورة المواجهة.

