عين اللوح – مكتب الجريدة
بعيدًا عن الصخب الإعلامي المرتبط عادةً بالمهرجانات الكبرى في المدن، تُعيد بلدة عين اللوح بإقليم إفران إنتاج أسئلتها الثقافية والأمنية مع كل دورة من المهرجان الوطني لفن أحيدوس، هذا الموعد السنوي الذي أصبح لا يطرح فقط سؤال الفرجة والذاكرة، بل يُعيد ترتيب الأدوار المؤسساتية في بيئة قروية تتميز بهشاشة البنيات التحتية وقلة الإمكانات اللوجستيكية.
بين الأمن الترابي والمشهد الثقافي… إعادة تعريف الوظيفة الأمنية
وفق مصادر ميدانية، فإن جهاز الدرك الملكي بسرية أزرو، بقيادة القبطان رضا الرامي، انخرط منذ أسابيع في سلسلة من الاجتماعات الأمنية المكثفة التي اتخذت طابعًا استباقيًا واضحًا، مُركّزة على إعداد خطة أمنية متكاملة توازي بين متطلبات “تأمين الحدث” و”ضبط التفاعلات الاجتماعية” المرتبطة بحركية جماهيرية غير معتادة في محيط قروي.
تُظهر هذه الاستعدادات كيف أن المؤسسة الأمنية، خصوصًا في مستوياتها الترابية، لم تعد تشتغل بمنطق “رد الفعل”، بل انتقلت إلى دينامية التخطيط الاستراتيجي المحلي، المعتمِد على المعلومات الاستخباراتية القبلية، وعلى ممارسات تنسيقية متقدمة، تشمل الفاعلين الترابيين، من ممثلي السلطة المحلية، إلى أعوان المراقبة والفاعلين الجمعويين.
يقظة ليلية ومسؤولية مجتمعية مشتركة الاجتماعات، التي تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، تعكس ما يُمكن وصفه بـ”توسيع مفهوم الزمن الإداري”، حيث لا تُحتسب الساعة بقدر ما يُحتسب الأثر. فالتقارير الميدانية تشير إلى انخراط وحدات الدرك في معالجة قضايا مرتبطة بـ:
ضبط الحركة داخل البلدة ومحيطها
تنظيم مداخل الفضاءات العمومية وتأمين المنصة الرسمية
منع كل مظاهر الفوضى الناتجة عن الباعة العشوائيين
ضمان السلامة الجسدية للزوار والساكنة
في غياب التكنولوجيا… هل تعود الدولة إلى الإنسان كأداة أمنية؟
اللافت في هذه التجربة أن الأجهزة الأمنية تعتمد هنا على “العيون البشرية”، أي على ما يُسمى في الأدبيات الأمنية بـالاستشعار الاجتماعي، في مقابل الاعتماد على الكاميرات أو الأنظمة الذكية المعمول بها في المدن الكبرى. هذا يُعيد طرح السؤال: هل الفضاء القروي يُنتج نموذجًا مختلفًا في ممارسة السلطة؟
القبطان رضا الرامي، الذي يُشرف على هذه الخطة الأمنية، يبدو في قلب هذا النموذج، باعتباره فاعلًا يجمع بين الانضباط المؤسسي والمرونة الاجتماعية، حيث تشير شهادات محلية إلى كفاءته في تدبير الميدان، دون اللجوء إلى “عسكرة المهرجان”، بل عبر التنسيق المؤسساتي واليقظة المتواصلة.
الأمن الثقافي… من مفهوم تجريدي إلى ممارسة ميدانية في قراءة تحليلية لهذه الدينامية، يمكن القول إن الدولة المغربية تُحوّل مفهوم “الأمن الثقافي” من مجرد خطاب مرافِق للمهرجانات، إلى ممارسة استراتيجية تُرسّخ الوظيفة الأمنية كمكوّن من مكوّنات إنجاح التظاهرات الثقافية، لا باعتبارها ترفًا جماعيًا، بل بوصفها استثمارًا في الاستقرار المجتمعي والاعتراف بالهوية.
إن ما يجري في الكواليس اليوم لا يتعلق فقط بحماية مهرجان، بل بتثبيت صورة الدولة كفاعل راعٍ للثقافة، وحارس لكرامة الجماعات المحلية في زمن الاحتفالية والذاكرة.

