يونس لقطارني – اسبانيا
في تطور دراماتيكي بعد سلسلة من الأزمات السياسية، باتت فرنسا على مفترق طرق تقف على حافة هاوية اقتصادية ، وهناك مخاوف متزايدة من انزلاق البلاد نحو الفوضى والغموض، وأجواء تظاهرات “السترات الصفراء” تطل برأسها مجدداً، وصبر الفرنسيين نفد أو كاد ينفد، ليس من الحكومة الحالية بل من الوضع المعيشي برمته، ومن أداء الحكومات المتعاقبة وبالأخص حكومات الرئيس إيمانويل ماكرون، وحالة اللايقين تهدد استقرار الشارع والمشهد السياسي والاقتصادي معاً، وسيطرة الحكومة وقدرتها على منع تلك الفوضى تراجعت بشدة، في ظل تنامي سيناريوهات سقوطها اليوم، وشبح الانتخابات المبكرة وحل البرلمان يعود ليتصدر المشهد، وهناك حالة احتقان وغضب شعبي تتزايد يوماً بعد يوم، وتتنامى معها دعوات للإضراب العام.

لا تتوقف أزمة فرنسا عند هذه الحدود، بل تتعداه لما هو أوسع، حيث تصل تداعياتها الخطيرة إلى الاقتصاد الاوروبي الذي يخوض معارك شرسة، أخطرها التدهور الاقتصادي المتزايد في القارة العجوز، والحرب التجارية التي يخوضها دونالد ترامب ضد دول الاتحاد، وكلفة حرب أوكرانيا الضخمة، والعجز المالي وزيادة الدين العام والإفراط في الاستدانة، وتقلص عدد السكان في العديد من البلدان، والبطء في التحول إلى الاقتصاد الرقمي.
وبالطبع فإن زيادة المخاطر الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل فرنسا ومنطقة اليورو ستفاقم تلك الأزمات، وستدفع المستثمرين والأموال نحو الهروب من الأسواق الأوروبية، خاصة من أسواق الدين مثل السندات وأذون الخزانة، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على الوضع المالي لدول الاتحاد وزيادة أعباء الدين والاقتراض والحصول على أموال بتكلفة عالية، وهو ما يجعل حكومات تلك الدول في صدام متواصل مع المواطن.
ميزانية تقشفية
بايرو (74 عاماً)، الذي تسلّم منصبه في ديسمبر، طرح ميزانية تقشفية لإحداث وفورات بنحو 40 مليار جنيه إسترليني، من ضمنها تقليص يومين من العطل الرسمية. المقترحات قوبلت بمعارضة شعبية واسعة، رغم تحذيرات بايرو واقتصاديين أوروبيين من أن ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي قد يواجه أزمة ديون على غرار اليونان إذا لم يتحرك سريعاً.
ورغم أن بايرو دعا بنفسه الشهر الماضي إلى تصويت الثقة سعياً لتعزيز شرعيته وفرض حزمة إصلاحاته، يستعد الحزب الاشتراكي للتحالف مع غريمه التقليدي حزب التجمع الوطني للتصويت ضده. النائبة الاشتراكية سيلين تيبو-مارتينيز رأت أن الميزانية «تعاقب مجدداً الأسر الهشة والطبقات العاملة»، مقترحة بديلاً يحقق نصف الوفورات ويسدد الدين على فترة أطول.
ديون ضحمة ومستقبل مالي مجهول
منذ عام 1974 لم تحقق فرنسا ميزانية متوازنة. نسبة الدين إلى الناتج هي الثالثة الأعلى في أوروبا بعد اليونان وإيطاليا، فيما تتجاوز كلفة خدمة الدين السنوية ما تنفقه الدولة على الدفاع أو التعليم.
التجمع الوطني يدعو الى انتخابات مبكرة
يرى التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان أن اللحظة سانحة للدفع نحو انتخابات تشريعية مبكرة و«معاقبة» ماكرون. وقال نائبه غايتان دوسووساي إن «الوصفة ذاتها تُكرر منذ ثماني سنوات: مزيد من القواعد والضرائب التي تعيق الاقتصاد»، من دون تقديم خطة بديلة واضحة لإصلاح المنظومة.
مأزق سياسي يفاقم الأزمة
إذا خسر بايرو التصويت، سيبقى مؤقتاً على رأس حكومة تصريف أعمال ريثما يحدد ماكرون الخطوة التالية بين خيارات صعبة: الدعوة إلى انتخابات جديدة لاستعادة أكثرية، أو تعيين رئيس وزراء جديد يأمل نجاحه حيث فشل أربعة قبله، أو الاستقالة التي نفى مراراً نيتها رغم تنامي الدعوات لذلك.
ركود اقتصادي وفشل الإصلاحات
في الشمال، عبّر نيكولا غودان، صاحب شركة مكوّنات لقطاعي السيارات والطيران، عن حاجته إلى يقين اقتصادي وإصلاحات عاجلة لإنقاذ شركته المهددة بالإفلاس قبل نهاية العام، محذّراً في الوقت نفسه من المساس بالبعد الاجتماعي الذي «يجعل فرنسا بلداً رائعاً». وعلى خط الإنتاج، يقول العامل ألكسندر بوكيت إن «النظام السياسي بأكمله يحتاج إعادة بناء من الصفر»، مع إحساس متنامٍ بأن الطبقة السياسية قد تخلّت عنهم
إن فشل الحكومة في تمرير خطط إصلاحية واقعية، مقابل معارضة تقدم بدائل مثيرة للجدل، يضع مستقبل فرنسا مفتوحاً على سيناريوهات خطيرة، من سقوط حكومة بايرو إلى اهتزاز موقع ماكرون نفسه. وبين الضغوط الداخلية والتداعيات الأوروبية، قد تجد باريس نفسها أمام لحظة حاسمة تحدد ما إذا كانت ستظل ركيزة أساسية في الاتحاد الأوروبي أم تتحول إلى نقطة ضعف تهدد استقراره.

