لم يكن نجاح أشغال المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة مجرد محطة عابرة في سجل الأنشطة الحزبية الروتينية، بل كان لحظة كاشفة، وضعت الفاصل بين زمن “الفعل المؤسساتي الرصين” وزمن “الهذيان السياسي” الذي يقتات عليه البعض. فبقدر ما كان الحضور وازناً والنقاش مسؤولاً، كانت الصدمة في المعسكرات المقابلة عنيفة، لدرجة أفقدت البعض توازنهم، فاستبدلوا لغة البرامج بلسان الشتائم، ومنطق التحليل بسوقية النعوت.
إن هذا “الارتباك” الذي رصده الجميع ليس وليد الصدفة، بل هو تعبير صارخ عن العجز. فعندما تجد كائنات سياسية نفسها أمام حزب يخرج من أزماته المفترضة أكثر تماسكاً، ومن رهاناته التنظيمية أكثر قوة، لا تجد أمامها سوى الهرولة نحو التشويش. إنه نوع من “العدمية السياسية” التي ترى في نجاح الآخرين تهديداً لوجودها القائم على الفوضى؛ لذا كان الرد “كلاماً بلا بوصلة”، ومحاولات يائسة لتبخيس منجز تنظيمي صلب بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء.
واللافت في هذه الهجمة المسعورة، أنها لم تجد في “المتن السياسي” ثغرة تنفذ منها، فانحدرت نحو “الشخصنة” في أبشع صورها، مستهدفة رموز الحزب وعلى رأسهم المنسقة الوطنية. هذا الاستهداف الممنهج يكشف عن عاهة فكرية مزمنة لدى البعض، فالهجوم لم يأتِ لأنها أخطأت في التدبير، بل لأنها نجحت في التحدي؛ هو هجوم نابع من “فوبيا المرأة القيادية” التي اقتحمت قلاع القرار بالكفاءة والهدوء، محطمة الصورة النمطية التي يحاول الحرس القديم فرضها على الفعل السياسي النسائي. إن وصف امرأة تقود حزباً وطنياً بنعوت سوقية لا يسيء للمرأة القائدة في شيء، بل يعري الوجه القبيح لمن يستعملها، ويفضح ضيق أفق من لا يزالون ينظرون للسياسة كـ “نادي مغلق” للرجال.
لقد كانت رسائل المجلس الوطني واضحة ومشفرة في آن واحد: الحزب ليس مجرد أرقام، بل هو “كتلة حيوية” منسجمة، تضع النساء في الصفوف الأمامية للفعل لا في هوامش الديكور. وهذا التمكين الفعلي هو ما أربك حسابات الذين اعتادوا الحديث من “المدرجات”، أولئك الذين يعجزون عن مجاراة إيقاع العمل الميداني، فيلجأون إلى صناعة الضجيج لإثبات حضورهم الافتراضي. إنها معركة بين “فكر البناء” و”ثقافة الهدم”؛ بين من يملك الرؤية ومن لا يملك سوى “النعوت”.
وفي الختام، يبقى الكلام الذي قيل من أجل “لا شيء” مصيره المحتوم هو “اللاشيء”. فالمؤسسات القوية لا تهزها الكلمات الجوفاء، والقيادات الواثقة لا تلتفت لضجيج الهرولة. لقد كسب حزب الأصالة والمعاصرة رهان المجلس الوطني، ليس فقط تنظيمياً، بل أخلاقياً وسياسياً، حين كشف للرأي العام الفرق الشاسع بين ممارسة السياسة كمسؤولية وطنية، وبين امتهانها كمنصة للقذف العشوائي. سيمضي “الجرار” في طريقه، وسيبقى الصدى الباهت لتلك النعوت يتردد في غرف أصحابها المظلمة، كشاهد على إفلاس من لم يستطع مواجهة الفكرة.. فهاجم الشخص.

