من 8 إلى 50 درهماً في رمضان: هل تحوّل “سمك الفقراء” إلى “كماليات الأغنياء” في المغرب؟
شهدت أسعار السردين، الذي طالما ارتبط باسم “سمك الفقراء” في الثقافة الغذائية المغربية، قفزة صاروخية غير مسبوقة قبيل شهر رمضان، لتسجل في بعض أسواق الدار البيضاء والمدن الكبرى 50 درهماً للكيلوغرام الواحد. هذا الارتفاع الصادم، الذي تزامن مع فترة الراحة البيولوجية وانتهائها، يطرح تساؤلات مريرة: هل أصبح الفقراء مضطرين لدفع ثمن باهظ حتى لـ “سمكتهم”؟ وأين تذهب وعود الحكومة بضبط الأسعار في شهر الرحمة؟
ما كان يُفترض أن يكون طبقاً رمضانياً متواضعاً على جميع الموائد، تحوّل إلى مادة للاستفزاز الشعبي. فالسردين الذي يُفترض أن يباع بين 8 و10 دراهم للكيلو حسب تصريحات جمعيات حماية المستهلك، يُعرض الآن بأساطير تتجاوز 40 و50 درهماً. لكن ما القصة؟ كشف مهنيون في القطاع أن المشكلة لا تكمن فقط في “الراحة البيولوجية” (فترة منع الصيد لتكاثر الأسماك) التي انتهت نظرياً، بل في احتكار المضاربين للسوق وتلاعب ما يسمى بـ “الشلاّحية” والسماسرة.
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن أسعار السمك لم تعد تخضع لمنطق العرض والطلب الطبيعي، بل لمنطق المزاد العلني في الموانئ. أكد فاعلون نقابيون أن اعتماد نظام “الدلالة” (المزاد) في بيع السمك بالجملة حوّل السردين إلى سلعة مضاربة يومية، حيث ترتفع الأسعار فور نزول البضاعة نتيجة التنافس بين التجار. خلال فترة الراحة البيولوجية، سيطرت مخزونات المصانع ووحدات التجميد على السوق، مما يعني أن السمك الذي كان يُفترض أن يوجه للتصدير أو التخزين، بيع بأسعار مرتفعة تحت غطاء “الندرة”. في خطوة استباقية، أعلنت السلطات عن منع تصدير السردين المجمد لضمان تموين السوق المحلي في رمضان. لكن المفارقة أن الأسعار لم تنخفض، بل واصلت الارتفاع، مما يشير إلى وجود حلقة مفرغة من المضاربة الداخلية.
التعليقات الشعبية على مواقع الأخبار تعكس حالة من الغليان والإحباط. أحد المواطنين علق بسخرية: “جوج بحور و السردين ب 50 درهم… والله أصبحنا نضحك من غباء المسؤولين”. في المقابل، يصر عبد الكريم الشافعي، رئيس جمعية حماية المستهلك بأكادير، على أن السعر العادل يجب ألا يتجاوز 10 دراهم، محملاً “السماسرة” مسؤولية أي ارتفاع، داعياً إلى تكثيف الرقابة لضبط المسالك. في الدار البيضاء، تراوحت الأسعار بين 40 و50 درهماً للكيلو متأثرة بالمضاربة والندرة، بينما أكادير كمعيار نظري تدعو الجمعيات فيه إلى سعر لا يتجاوز 8 إلى 10 دراهم، أما بقية المدن فتشهد أرقاماً متفاوتة بين 20 و40 درهماً بسبب ضعف الإمدادات وقلة أيام الصيد.
وزارة الصيد تتجه نحو الرقمنة وتركيب موازين رقمية بالموانئ للحد من التلاعب. لكن المواطن البسيط يتساءل: هل سننتظر حتى رمضان المقبل لنرى ثمرة هذه الرقمنة؟ الرهان الآن هو على مدى قدرة السلطات على كسر شوكة المضاربين الذين يحولون “سمك الفقراء” إلى سلعة كمالية، خاصة مع تزامن ارتفاع الأسعار مع اقتراب شهر يُفترض أن يكون للتضامن والتكافل

