إسبانيا الثائرة في وجه الإمبريالية: مواقف مشرفة في زمن التبعية الأوروبية
بقلم إساوي هشام أروى بريس الإسبانية
في مشهد سياسي دولي يعجّ بالانبطاح والخنوع، تبرز إسبانيا كحالة استثنائية تستحق الوقوف عندها طويلاً. ففي قرار تاريخي وغير مسبوق، أعلنت مدريد رفضها القاطع استعمال قواعدها العسكرية في “مورون” و”روتا” لشن أي هجوم أمريكي على إيران، لتُفاجأ بعدها بخروج 15 طائرة حربية أمريكية من أراضيها متجهة إلى قواعد بديلة في فرنسا وألمانيا.
ما فعله رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ليس مجرد موقف عابر، بل هو سلسلة من المواقف المشرّفة التي تخالف التيار الأوروبي العام المنقاد خلف السياسة الأمريكية. سانشيز، الذي تجرأ واعترف بالدولة الفلسطينية في ذروة العدوان، واصفاً ذلك بأنه “عدالة تاريخية”، هو نفسه أعلى مسؤول أوروبي يجرؤ على تسمية جرائم الاحتلال بـ”الإبادة الجماعية”. لم يكتف بذلك، بل أعلن حزمة إجراءات ضاغطة شملت وقف تصدير الأسلحة، والدعوة لاستبعاد الكيان من جميع المحافل الرياضية، والمقاطعة الفنية لمسابقة يوروفيجن، غير آبه بالتوصيف بـ”معاداة السامية” ولا بخسارة صديق بحجم الولايات المتحدة.
هذه الدولة ذاتها، التي لم تعترف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 واضطُرت لذلك تحت وطأة شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، هي اليوم من أكثر الأصوات جرأة في دعم الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، حيث صوّتت لمنح فلسطين صفة عضو مراقب. وهي الدولة الأوروبية التي تحتفظ بذاكرة تاريخية نظيفة، إذ لم تشارك في الحرب العالمية الثانية، ولا تحمل في جعبتها ذلك الذنب الأوروبي الجماعي الذي كان سبباً رئيسياً في نشأة الكيان على أرض فلسطين.
إنها المفارقة العجيبة: إسبانيا، التي كانت بالأمس القريب أشد أعداء الأمة، ها هي اليوم تتخذ مواقف تخشى عروش عربية كاملة من الاقتراب منها في خضم المعركة.

