أروى بريس
التقرير الفرنسي الأخير حول تجسس مغربي يُستَغل في سياق توتر سياسي ومساومات تفاوضية بين باريس والرباط، أكثر مما يُتعامل معه كملف قانوني وتقني معزول. يظهر أن فرنسا توظّف هذا الملف ضمن إستراتيجية أوسع لكبح صعود الدور المغربي في إفريقيا والضغط في ملفات الهجرة، التأشيرات، والاصطفاف الجيوسياسي مع شركاء جدد كإسبانيا والولايات المتحدة.
## خلفية: من بيغاسوس إلى تقرير اليوم
– التحقيقات الدولية منذ 2021 كشفت استخدام برنامج التجسس الإسرائيلي بيغاسوس ضد شخصيات سياسية وصحافيين، مع اتهامات مباشرة للمغرب باستهداف مسؤولين فرنسيين من بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون.
– التحقيق الدولي الجديد الذي نُشر هذه الأيام يؤكد، بشهادات ووثائق، أن المغرب استخدم بيغاسوس وأدوات مراقبة أخرى للتجسس على مسؤولين وصحافيين فرنسيين، ويوسّع الاتهامات إلى “منظومة مراقبة” تشمل وسائل تقنية أخرى.
– هذا التقرير جاء في سياق توتر دبلوماسي ممتد بين باريس والرباط منذ أزمة التأشيرات وملف الصحراء، حيث تشعر فرنسا بتراجع نفوذها التقليدي في المغرب والمنطقة المغاربية مقابل انفتاح الرباط على تحالفات جديدة.
## ملامح الاستغلال الفرنسي لملف التجسس
يمكن تلخيص كيفية توظيف باريس لهذا الملف في المستويات التالية:
– إبراز صورة المغرب كـ“دولة تجسس” لشيطنة سياسته الخارجية وإضعاف شرعيته الأخلاقية في أوروبا، عبر حملات إعلامية متكررة حول بيغاسوس وملفات حقوقية، دون تقديم أدلة تقنية كاملة للعلن في كل مرة.
– استخدام المنظومة القضائية والإعلامية الفرنسية كأداة ضغط تفاوضي، من خلال فتح تحقيقات قضائية متتابعة استناداً إلى شكاوى صحافيين ومنظمات، بالتوازي مع تسريبات وتحقيقات صحفية منسقة في صحف كبرى.
– ربط ملف التجسس بملفات أخرى لتضخيم صورة “الخطر المغربي”، مثل الاشتباه في التأثير على برلمانيين أوروبيين، وتسريب وثائق وأرصدة شخصيات مغربية في فرنسا، بما يعزز الانطباع عن “شبكة نفوذ مغربية” يجب تطويقها.
جدول يوضح مستويات التوظيف الفرنسي
| إعلامي | تحقيقات صحفية متتابعة، تركيز على بيغاسوس، إبراز استهداف ماكرون ومسؤولين كبار تشكيل رأي عام فرنسي وأوروبي سلبي تجاه المغرب، وتسهيل قبول سياسات أكثر تشدداً نحوه.
| قضائي | فتح تحقيقات جنائية في باريس حول التجسس الإلكتروني وشكاوى صحافيين.
تحويل الخلاف من ملف سياسي قابل للتفاوض إلى “قضية قانونية” تضغط على الرباط وتُقيد هامش المناورة.
| استخباراتي–مالي | خطط تسريب أرصدة وعقارات شخصيات مغربية في فرنسا واستخدامها كورقة ابتزاز سياسي.| إرباك النخبة الاقتصادية والسياسية المغربية وتقليص ثقتها في الاستثمار داخل فرنسا، ودفعها لتنازلات سياسية.
| إستراتيجي–إقليمي | ربط ملف التجسس بصعود الدور المغربي في إفريقيا وبتنافسه مع فرنسا هناك.
كبح التمدد المغربي في القارة، وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية الفرنسية التقليدية.
## الأبعاد السياسية والاستراتيجية وراء الاستغلال
– التقارير الفرنسية نفسها، نقلاً عن دبلوماسيين سابقين، تشير إلى أن باريس ترى في “الهجمات الإعلامية والقضائية” وسيلة لإبطاء الصعود المغربي في إفريقيا، خاصة بعد إدراكها أن الجزائر في وضع هش على المدى المتوسط وأن رهانها التقليدي عليها لم يعد كافياً.
– مخططات أجهزة الاستخبارات الفرنسية تضمنت – وفق تقارير مسربة – خطة ممنهجة لنشر “تقارير سوداء” عن الوضع الحقوقي والسياسي بالمغرب، وفتح ملفات قضائية ضد مسؤولين مغاربة، وتسريب بيانات مالية، بما يتجاوز منطق الرد على “التجسس” إلى محاولة **تركيع** الرباط سياسياً.
– توظيف ملف التجسس يأتي أيضاً للضغط على المغرب في قضايا محددة: مثل ملف الصحراء، وإعادة ضبط سياسة التأشيرات والهجرة، وحدود التقارب المغربي مع واشنطن ومدريد وتل أبيب خارج المظلة الفرنسية التقليدية.
## في سياق المفاوضات المغربية–الفرنسية
– تزامن التقرير الفرنسي الجديد مع محاولات رسمية لإعادة الدفء للعلاقات المغربية–الفرنسية يضع الرباط في موقف تفاوضي حرج؛ إذ تضطر للدفاع عن صورتها أمام الرأي العام الفرنسي، بينما تسعى في الوقت نفسه لتحصيل مكاسب سياسية واقتصادية من باريس.
– تعتمد فرنسا على معادلة “تصعيد إعلامي–قضائي مقابل تنازلات سياسية”، حيث يُستخدم تسريب المعطيات التقنية والاتهامات المتجددة كورقة ضغط في الكواليس خلال أي حوار حول الصحراء، أو الاستثمارات، أو الحضور المغربي في إفريقيا الفرنكوفونية.
– في المقابل، يحاول المغرب قلب المعادلة بالتشكيك في نوايا التقارير الفرنسية، وطرح رواية “حملة تشويه فرنسية موجهة” تستهدف استقلالية قراره وتحالفاته الجديدة، ما يحوّل الملف من قضية تقنية إلى مواجهة حول النفوذ والهيبة بين دولتين كانتا شريكتين إستراتيجيتين.

