طلبت القاضية ماريا تاردون، من المحكمة الوطنية الإسبانية، من الحكومة رفع السرية عن تقارير ووثائق جهاز الاستخبارات الوطني (CNI) المتعلقة بأحداث الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، مع التركيز على تحركات السلطات المغربية والاتصالات بين أجهزة الاستخبارات في البلدين.
وحددت القاضية مهلة لا تتجاوز 15 يوماً لإحالة الوثائق المطلوبة، معتبرة أن الاطلاع عليها ضروري لتحديد ما كانت تعرفه السلطات الإسبانية قبل الأحداث، والجهات التي تلقت التحذيرات، والقرارات التي اتخذت أو لم تتخذ بناءً على المعلومات المتاحة.
ولا يقتصر الطلب القضائي على التقارير التي أعدها جهاز الاستخبارات الإسباني بعد الأحداث، بل يشمل أيضاً قائمة دقيقة بالمسؤولين والمؤسسات الذين توصلوا بالمذكرات التي سبق رفع السرية عنها، مع تحديد تواريخ وساعات إرسالها والتأكد من استلامها.
كما تطالب تاردون بالكشف عن هوية عناصر الاستخبارات الذين تواصلوا مع الحرس المدني ومسؤولين في الإدارة الحكومية بسبتة خلال الفترة التي سبقت تدفق المهاجرين، تمهيداً للاستماع إلى إفاداتهم في إطار التحقيق.
الاتصالات مع الاستخبارات المغربية تحت مجهر القضاء
ويحظى التعاون الاستخباراتي بين مدريد والرباط بحيز أساسي في التحقيق، إذ تطالب القاضية بالكشف عن النص الكامل للمراسلات التي تبادلها جهاز الاستخبارات الإسباني مع المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، المكلفة بالاستخبارات الخارجية المغربية، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST).
ويشمل الطلب أيضاً أي إشعارات أو تحذيرات متبادلة بشأن احتمال دخول مهاجرين إلى الأراضي الإسبانية انطلاقاً من المغرب خلال شهر يوليوز، فضلاً عن التقارير التي أُعدت بعد أحداث سبتة ولم تُحال بعد إلى المحكمة.
وجاء هذا التصعيد القضائي بعدما اعتبرت تاردون أن الردود السابقة للاستخبارات الإسبانية لم تقدم تفاصيل كافية بشأن الجهات التي تلقت المعلومات، وطبيعة الاتصالات مع الأجهزة المغربية، والنتائج التي ترتبت عنها. *
اختبار للشفافية وتحديد المسؤوليات
وبررت القاضية طلبها بأن الوثائق المطلوبة ضرورية لكشف حقيقة ما جرى، مؤكدة أن تصنيف المعلومات باعتبارها أسراراً رسمية لا ينبغي أن يشكل عائقاً مطلقاً أمام الرقابة القضائية عندما تكون الوثائق ذات صلة مباشرة بتحقيق جنائي.
ويركز التحقيق على تحديد المسؤولين الذين كانوا على علم مسبق بالدعوة إلى الدخول الجماعي، وتوقيت حصولهم على المعلومات، والإجراءات التي اتخذوها أو لم يتخذوها، فضلاً عن تحديد طبيعة تصرف السلطات المغربية خلال تلك الفترة.
ومع ذلك، فإن طلب رفع السرية لا يشكل حكماً مسبقاً بمسؤولية المغرب، ولا يثبت وجود قرار رسمي بتسهيل دخول المهاجرين. فهذه مسائل يسعى التحقيق إلى توضيحها استناداً إلى الوثائق والشهادات والأدلة.
وتضع الخطوة الحكومة الإسبانية أمام اختبار يتعلق بمدى استعدادها لكشف المعلومات التي يمكن أن تساعد القضاء على تحديد المسؤوليات، في قضية تتقاطع فيها اعتبارات أمن الحدود مع العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط.
والنتيجة الأهم ستكون في مضمون الوثائق التي ستُكشف، لا في مجرد قرار رفع السرية: فإذا أظهرت التقارير وجود تحذيرات مسبقة وصلت إلى مسؤولين محددين، فسيكون من الضروري التحقق من كيفية التعامل معها، أما تحديد دور السلطات المغربية فسيظل رهيناً بما تثبته الأدلة بصورة مستقلة.

