يونس لقطارني
أعاد التصادم المميت بين قطاري «رينفي» و«إيريو» بالقرب من بلدة أوردا بمقاطعة طوليدو، الأربعاء، فتح النقاش حول سلامة شبكة السكك الحديدية الإسبانية، في وقت تتواصل فيه التحقيقات لتحديد أسباب الحادث الذي ارتفعت حصيلته الأولية إلى عشرات القتلى والجرحى.
وبحسب وسائل إعلام إسبانية، اصطدم قطار تابع لشركة «رينفي» الحكومية بقطار «إيريو» الخاص على خط مدريد–الأندلس، ما أدى إلى خروج عربات عن السكة وسقوط بعضها على منحدر. وأعلنت السلطات تعليق حركة القطارات فائقة السرعة على عدد من المسارات المتضررة، بينما واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث عن الضحايا.
وتعيد هذه المأساة إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من الحوادث الدامية التي شهدتها إسبانيا، وتطرح تساؤلات بشأن صيانة البنية التحتية، وأنظمة الإشارات والتحكم، ومدى قدرة الشبكة على استيعاب كثافة الحركة المتزايدة. غير أن تحديد المسؤوليات في حادث طوليدو يظل رهيناً بنتائج التحقيق الرسمي.
أداموز وسانتياغو.. مآسٍ حديثة تعيد أسئلة السلامة
لم تمضِ سوى أشهر على حادث أداموز بإقليم قرطبة، الذي وقع في يناير 2026، عندما خرج قطار تابع لشركة «إيريو» عن السكة واصطدم بقطار «ألفيا» تابع لـ«رينفي»، في كارثة أوقعت عشرات القتلى وأكثر من مئة جريح. وأفادت تقارير إسبانية بأن التحقيقات شملت احتمال وجود خلل في أحد القضبان، لكن تحديد السبب النهائي يقتضي الرجوع إلى نتائج التحقيقات المعتمدة.

وتبقى كارثة سانتياغو دي كومبوستيلا، التي وقعت في 24 يوليو 2013، إحدى أبرز المآسي في تاريخ السكك الحديدية الإسبانية الحديث. فقد انحرف قطار «ألفيا» قرب المدينة الواقعة في إقليم غاليسيا، ما أسفر عن مقتل 80 شخصاً وإصابة أكثر من 140 آخرين. وأظهرت القضية أهمية الالتزام بالسرعة المحددة وفاعلية أنظمة السلامة في الحد من آثار الأخطاء البشرية.
كوارث السبعينيات.. الاصطدامات والأخطاء البشرية
شهدت إسبانيا خلال سبعينيات القرن الماضي حوادث قطارات دامية، من بينها اصطدام وقع في منطقة إيل كويرفو بإقليم إشبيلية في يوليوز 1972، وأسفر عن مقتل 77 شخصاً وإصابة أكثر من مئة، وفقاً للتوثيق التاريخي الذي أوردته صحيفة «إل باييس».

وفي غشت 1970، أدى تصادم قطارين للسكك الحديدية الضيقة في أوردوليز بإقليم الباسك إلى مقتل 33 شخصاً وإصابة أكثر من 200. وأعادت هذه الحوادث طرح مسألة دور العوامل البشرية وظروف العمل في منظومة السلامة، إلى جانب أهمية إجراءات التشغيل والرقابة.
كارثة توري ديل بييرزو.. أرقام الضحايا تحت ظلال الرقابة
تعود إحدى أكثر الكوارث غموضاً في تاريخ السكك الحديدية الإسبانية إلى 3 يناير 1944، عندما اصطدمت قطارات داخل نفق في منطقة توري ديل بييرزو بإقليم ليون، خلال حكم فرانثيسكو فرانكو.

وأعلنت السلطات آنذاك سقوط 78 قتيلاً، لكن تقديرات تاريخية لاحقة تحدثت عن حصيلة أكبر بكثير، تراوحت في بعض الروايات بين 500 و800 ضحية، في ظل الرقابة التي فرضها النظام آنذاك وصعوبة توثيق عدد القتلى بدقة. وتظل الفجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرات التاريخية من أبرز جوانب الجدل المحيط بهذه الكارثة.
المنافسة وتوسّع الشبكة.. هل يكفي التطور التقني لضمان السلامة؟
شهد قطاع القطارات فائقة السرعة في إسبانيا تحولاً مهماً مع دخول شركات خاصة، من بينها «إيريو» و«أويغو»، في منافسة مع «رينفي». وأسهم تحرير السوق في توسيع خيارات السفر وتعزيز المنافسة السعرية، لكنه جعل التنسيق بين المشغلين وإدارة حركة القطارات وصيانة البنية التحتية عناصر أساسية في ضمان السلامة.

وتتولى هيئة «أديف» إدارة البنية التحتية للسكك الحديدية، بما يشمل جوانب من الإشارات وتنظيم حركة القطارات، بينما تتوزع مسؤوليات التشغيل بين الشركات المعنية والجهات المختصة. ولذلك، فإن تقييم أثر المنافسة التجارية أو كثافة الرحلات على السلامة يتطلب بيانات فنية وتحقيقات دقيقة، لا الاكتفاء بالاستنتاج من تزامن الحوادث.
وتضع فاجعة طوليدو هذه المنظومة أمام اختبار جديد، لكن تحديد أسبابها يظل الخطوة الأولى قبل استخلاص الدروس. فالتكنولوجيا المتقدمة وسرعة القطارات لا تكفيان وحدهما؛ إذ تتطلب السلامة صيانة مستمرة، وأنظمة حماية فعالة، وتنسيقاً صارماً بين المشغلين، ومحاسبة واضحة عند ثبوت الإهمال أو الخلل.

