يشكل إنهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو» في 31 أكتوبر 2026، وفق التطورات المرتبطة بالقرار الأممي، انتكاسة سياسية للدبلوماسية الجزائرية، ومكسباً للموقف المغربي، الذي نجح في تعزيز حضوره داخل المنتظم الدولي. ويكشف هذا التطور، في تقديري، محدودية الرهان الجزائري على مقاربة تقليدية ظلت أسيرة الشعارات الأيديولوجية والحسابات الإقليمية الضيقة، بدل التكيف مع التحولات الدولية.
فمنذ وصول عبد المجيد تبون إلى السلطة، تبدو السياسة الخارجية الجزائرية محكومة بتناقضات متكررة، يصعب معها تحديد استراتيجية مستقرة وواضحة. ففي ملف الصحراء، تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو تحت شعار تقرير المصير، بينما يثير هذا الانخراط تساؤلات بشأن الأهداف الجيوسياسية الحقيقية، ولا سيما ما يتعلق بموازين النفوذ في منطقة الساحل وإمكانية الوصول إلى الواجهة الأطلسية عبر المنطقة.
وفي منطقة الساحل، انتقلت الجزائر من خطاب التشدد تجاه السلطات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى محاولة إعادة بناء العلاقات معها، في تحول يعكس ارتباكاً في تدبير العلاقات الإقليمية، ويطرح أسئلة حول كلفة هذه التحولات على المصالح الاستراتيجية الجزائرية.
أما مع الإمارات العربية المتحدة، فقد دخلت العلاقات مرحلة من التوتر رغم تشابك المصالح الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بالموانئ والتصنيع العسكري. وأي إخلال محتمل بالالتزامات التعاقدية قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية أو تحكيم دولي، إذا توافرت شروطه، بما قد يرتب تبعات مالية على الأطراف المعنية.
ومع الاتحاد الأوروبي، لم تعد الخلافات محصورة في التصريحات السياسية، بل انتقلت إلى مسار مؤسساتي وقانوني منذ يوليوز 2025، على خلفية القيود الجزائرية على المبادلات التجارية والاستثمارية، التي تعتبرها بروكسل مخالفة لالتزامات اتفاقية الشراكة. ويضاف إلى ذلك الجدل المتعلق باستخدام إمدادات الغاز في سياق الخلافات السياسية، كما حدث خلال الأزمة الجزائرية الإسبانية سنة 2022.
وفي العلاقة مع فرنسا، تتواصل فصول التوتر الدبلوماسي، من أزمة ترحيل مواطنين جزائريين وتبادل الإجراءات الدبلوماسية في أبريل 2025، إلى قضية اختطاف المعارض الجزائري أمير بوخرص المعروف باسم «أمير DZ» قرب باريس في أبريل 2024. وقد شملت التحقيقات موظفاً قنصلياً جزائرياً، وسط اتهامات بوجود صلات بأجهزة جزائرية، وهي اتهامات يظل الحسم فيها من اختصاص القضاء.
كما أضافت قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي أثارت محاكمته وسجنه مطالبات فرنسية بالإفراج عنه، توتراً جديداً إلى علاقة تعاني أصلاً من تراكم الخلافات السياسية والقضائية.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تلوح أمام الجزائر احتمالات ضغوط أمريكية إضافية، خصوصاً في ملف التسليح الروسي. فالعقوبات المنصوص عليها في قانون «كاتسا» قد تصبح مطروحة إذا انطبقت الشروط القانونية الأمريكية على الصفقات المعنية، فيما يظل مشروع تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية مساراً تشريعياً لا ينبغي التعامل مع تداعياته باعتبارها عقوبات نافذة قبل إقراره واستكمال إجراءاته.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة أن الدبلوماسية الجزائرية تواجه تحدياً يتجاوز خلافاتها مع دولة أو محور بعينه. فمن المغرب إلى الساحل، ومن أبوظبي إلى بروكسل وباريس وواشنطن، تتراكم نقاط الاحتكاك، في وقت تحتاج فيه الجزائر إلى سياسة خارجية أكثر واقعية، تقوم على تنويع الشراكات وحماية المصالح الاقتصادية وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى أزمات مفتوحة.
المشكلة ليست في اختلاف الجزائر مع شركائها أو جيرانها، فذلك أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في غياب القدرة على إدارة هذا الاختلاف بأدوات دبلوماسية مرنة، بعيداً عن منطق التصعيد والمواقف الجامدة.
نظام تبون يلعب بالنار، لكن الخطر الأكبر أن يتحمل الشعب الجزائري كلفة هذه المغامرات. فالجزائر تملك من الإمكانات الاقتصادية والبشرية والتاريخية ما يؤهلها للعب دور إقليمي مؤثر، غير أن ذلك يتطلب الانتقال من دبلوماسية الشعارات والخصومات إلى دبلوماسية المصالح والواقعية. فالأوطان لا تُبنى بالعداء الدائم للجيران، ولا تُقاس قوة الدول بعدد الأزمات التي تدخلها، بل بقدرتها على حماية مصالح شعوبها وصناعة مستقبلها.

