لم تعد أزمات إسبانيا مقتصرة على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى البنية التحتية والنقل والقضاء والتعليم والإسكان، وسط تحذيرات من أن سنوات ضعف الاستثمار وسوء التدبير بدأت تهدد سلامة المواطنين وجودة الخدمات الأساسية.
ترسم صحيفة «فوز بوبولي» الإسبانية صورة قاتمة لوضع الدولة، معتبرة أن سلسلة الأزمات التي شهدتها البلاد، من انقطاع الكهرباء في أبريل 2025، إلى حوادث السكك الحديدية، وصولاً إلى أزمة سبتة، تكشف عن تراجع مؤسساتي وهيكلي يتجاوز حدود الاختلالات الظرفية.
وتضع الصحيفة ضعف الاستثمار في البنية التحتية في صلب هذا التدهور، مشيرة إلى أن شبكة السكك الحديدية والطرق والمرافق المائية تعاني من تراكم الخصاص، رغم الموارد الأوروبية التي حصلت عليها إسبانيا خلال السنوات الأخيرة. وتقدر حاجيات البنية التحتية باستثمارات سنوية تناهز 11,3 مليار يورو.
ولا يقتصر الاختلال على البنية التحتية، إذ تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى ارتفاع القضايا القضائية العالقة من 2,6 مليون قضية نهاية 2018 إلى 4,6 ملايين في الربع الثالث من 2025، بالتوازي مع ارتفاع متوسط مدة البت في القضايا المدنية والتجارية إلى 423 يوماً، مقابل 245 يوماً على المستوى الأوروبي.
وفي قطاع التعليم، تثير نتائج التقييمات الدولية مخاوف بشأن تراجع أداء التلاميذ الإسبان في الرياضيات والقراءة والعلوم، بينما تحولت أزمة السكن إلى أحد أبرز مصادر الضغط الاجتماعي، خصوصاً لدى الشباب، في ظل اتساع الفجوة بين العرض والطلب وارتفاع تكاليف الإيجار والشراء.
اقتصادياً، تنتقد الصحيفة السياسة المالية لحكومة بيدرو سانشيز، معتبرة أن ارتفاع الإيرادات الضريبية والموارد الأوروبية لم يواكبه تحسن ملموس في الاستثمار العمومي أو جودة الخدمات الأساسية، كما تحذر من تصاعد أعباء الدين والمعاشات خلال السنوات المقبلة.
أما سياسياً، فتربط الصحيفة بين هذه الاختلالات وما تصفه بضعف القدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع الأزمات، مستحضرة تدبير الحكومة لأزمة سبتة وما أثارته من انتقادات بشأن حماية الحدود والسيادة الإسبانية.
وتخلص الصحيفة إلى أن المشكلة الإسبانية لم تعد مرتبطة بأزمة قطاع بعينه، بل بتراكم اختلالات في إدارة الدولة والاستثمار والخدمات العمومية، معتبرة أن استعادة الثقة تتطلب قيادة سياسية قادرة على الانتقال من تدبير الأزمات إلى معالجة أسبابها البنيوية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام إسبانيا هو وقف تآكل الخدمات الأساسية واستعادة قدرة مؤسساتها على ضمان الحد الأدنى من الكفاءة والموثوقية، قبل أن تتحول الاختلالات المتراكمة إلى أزمة ثقة أعمق في الدولة ومؤسساتها.

