كشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن أربعة مصادر أميركية وأوروبية، أن مسؤولين في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» طلبوا من عدد من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تخفيف حدة تصريحاتها العلنية بشأن التهديد الروسي، محذرين من أن بعض الخطابات الأوروبية قد تؤدي إلى تقويض أمن القارة.
وبحسب المصادر، فإن ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا كانت من بين الدول التي تلقت رسائل أميركية بهذا الخصوص خلال اجتماعات ثنائية، دعتها إلى ضبط تصريحات مسؤوليها بشأن موسكو، دون أن تتضح طبيعة المواقف التي اتخذتها بقية الحكومات الأوروبية أو ما إذا كانت قد تلقت مطالب مماثلة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، عبر طرح حوافز على روسيا، من بينها تخفيف العقوبات، وممارسة ضغوط على كييف لوقف هجماتها على منشآت الطاقة الروسية.
وأوضحت «رويترز» أن بعض التصريحات الأوروبية التي أثارت تحفظ المسؤولين الأميركيين تضمنت وصف روسيا بأنها «محاصرة»، وأنها تلجأ بشكل متزايد إلى سلوكيات يائسة ومتهورة، بالتزامن مع تباطؤ تقدم قواتها في أوكرانيا.
وكان إلبريدج كولبي، رئيس شؤون السياسات في البنتاغون، من بين المسؤولين الذين نقلوا هذه الرسائل، وفق مصدرين للوكالة. ونقل مصدر مطلع أن كولبي أبلغ مسؤولاً من دول البلطيق بضرورة تجنب «استفزاز» روسيا، معتبراً أن وصفها بأنها «محاصرة مثل الفأر» يمثل نموذجاً لخطاب غير مجدٍ.
ورغم عدم تحديد التصريح المقصود بشكل قاطع، كان رئيس الوزراء الإستوني كريستين ميهال قد وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أواخر شتنبر الماضي، بأنه «جرذ محاصر في زاوية»، في إشارة إلى ما اعتبره لجوء موسكو إلى أعمال تخريبية داخل أوروبا بالتزامن مع استمرار الحرب الأوكرانية.
وأكدت المصادر أن الرسائل الأميركية لم تُنقل بأسلوب تصادمي، فيما امتنعت وزارات الدفاع في الدول البلطيقية الثلاث عن التعليق، كما أحجم حلف الناتو عن الإدلاء بأي موقف.
وتكشف هذه التحركات عن تباين داخل المعسكر الغربي بشأن الطريقة الأنسب للتعامل مع التهديد الروسي. ففي حين يرى بعض المسؤولين أن تضخيم الخطر قد يخدم أهداف الكرملين من خلال نشر الخوف وإضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا، يعتبر آخرون أن من الضروري إطلاع الرأي العام على حجم التهديد، بما يبرر تخصيص مزيد من الموارد الدفاعية والاستعداد لتحمل تكاليف المواجهة.
وأثارت النصائح الأميركية، وفق مسؤول أوروبي نقلت عنه الوكالة، بعض الحيرة، خصوصاً أن أجهزة الاستخبارات في دول البلطيق قللت خلال الأشهر الماضية من احتمالات إقدام روسيا على اختبار التزامات الدفاع المشترك داخل الحلف. في المقابل، حذرت أجهزة استخبارات غربية أخرى من احتمال تصعيد موسكو عمليات التخريب التي تستهدف دولاً أعضاء في الناتو، مع إمكانية إنكار مسؤوليتها عنها.
ويتزامن هذا الخلاف مع مراجعة البنتاغون انتشار القوات الأميركية في أوروبا، وهي عملية قد تفضي إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة، في ظل دعوات واشنطن إلى تحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها الدفاعي، بينما تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها العسكرية في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وشرق آسيا.
وفي موازاة ذلك، تتواصل المناقشات الأميركية بشأن فرص إقامة صفقات تجارية مع روسيا ضمن مساعي إنهاء الحرب، وسط تباين أوروبي حول مستقبل العلاقات الاقتصادية مع موسكو، حيث يتمسك عدد من المسؤولين الأوروبيين بمواصلة عزل الكرملين اقتصادياً.
وكان ترامب قد أعلن، الأربعاء الماضي، أن لقاءً سيُرتب «قريباً جداً» بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معرباً عن اعتقاده بإمكانية إحراز تقدم مهم في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

