عدنان مخلص – أروى بريس
يمثل تقرير المقاصة المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2027، الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، وثيقة اقتصادية تتجاوز مجرد سرد الأرقام والبيانات الجامدة لتشريح واقع الاقتصاد الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية والتحولات الإقليمية الحادة. فقد وضعت سنة 2026 تدبير المالية العمومية على المحك، كاشفة عن اختبار حقيقي لمرونة منظومة الدعم المباشر وغير المباشر، ومدى قدرتها على التوفيق بين استدامة التوازنات الماكرو-مالية من جهة، والالتزام الاجتماعي الثابت بحماية المعيش اليومي والقدرة الشرائية للمواطنين من جهة أخرى.
وقد تجسد هذا الرهان خلال سنة 2026 في بيئة دولية بالغة الاضطراب، طبعها احتدام الصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط واضطراب ممرات الملاحة ، ولا سيما عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ما أدى إلى ارتباك سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري. وظهر أثر هذه الصدمة جليا في أسواق المحروقات حيث قفز متوسط سعر خام برنت إلى 91 دولار للبرميل خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026 مسجلا زيادة سنوية بنسبة 27.2%، في حين سجلت المنتجات المكررة ارتفاعات حادة بلغت 55.6% للغازوال و33.5% للبنزين. ولم يكن غاز البوتان بعيد عن هذا الضغط، إذ ارتفع سعره وفق الصيغة المغربية بنسبة 14.7% ليبلغ متوسطه 611 دولار للطن مع تسجيل قفزة قياسية في تكلفة الشحن بناقلات الغاز، والتي انتقلت من 65 دولار للطن في سنة 2025 إلى 166 دولار في غشت 2026.
هذا الارتفاع في أسعار الطاقة العالمية انتقل مباشرة إلى كلفة التموين الداخلي لغاز البوتان حيث ارتفعت التكلفة الحقيقية لقنينة الغاز من فئة 12 كيلوغرام لتصل في ذروتها خلال شهر أبريل إلى 129 درهم. وهنا برز الدور التخفيفي للدولة التي اختارت امتصاص الصدمة وحماية المستهلك حيث رفعت حصة دعمها المباشر لتتكفل بأكثر من 60% من التكلفة الفعلية، متجاوزة 78 درهم للقنينة الواحدة في بعض الأحيان، بمتوسط دعم شهري بلغ 61.79 درهم. وقد ترتب عن هذا الخيار الاجتماعي تعبئة ما يناهز 9 مليار درهم لغاز البوتان وحده خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة. وتزامن ذلك مع تدخل اخر لحماية أسعار النقل والسلع من خلال إعادة تفعيل الدعم الاستثنائي الموجه لمهنيي النقل الطرقي بغلاف مالي بلغ 2.488 مليار درهم حتى متم شتنبر 2026، إلى جانب رصد 64 مليون درهم لضمان استقرار أسعار المواد الأساسية ومصاريف التموين الموجهة للأقاليم الجنوبية للمملكة.
في المقابل، شكلت المواد الغذائية صمام أمان حد من استنزاف الميزانية، بفضل تضافر عوامل مناخية وطنية ملائمة مع انفراج نسبي في الأسواق العالمية. ففي قطاع السكر، أتاح تراجع الأسعار الدولية للسكر الخام دون السعر المستهدف تحقيق مبالغ مسترجعة لفائدة الخزينة بلغت 0.7 مليار درهم عند الاستيراد، ما خفف الكلفة الصافية الإجمالية لدعم السكر المكرر إلى نحو 2 مليار درهم حتى متم غشت. أما في قطاع الحبوب، فقد شكل الموسم الفلاحي الاستثنائي 2025/2026 نقطة تحول حقيقية بفضل التساقطات المطرية الغزيرة، حيث قفز المحصول الوطني إلى 90 مليون قنطار بنمو بلغ 109% مقارنة بالموسم السابق، منها 44 مليون قنطار من القمح اللين. هذه الوفرة المحلية مكنت من تعليق آلية دعم الاستيراد وإعادة فرض الرسوم الجمركية لحماية تسويق المحصول الوطني، وحصر الدعم في تثبيت أسعار الدقيق الوطني للقمح اللين ومنح التخزين في حدود 0.8 مليار درهم. غير أن ثقل فاتورة الطاقة ودعم النقل فرض في النهاية فتح اعتمادات إضافية بقيمة 8 مليار درهم، ليرتفع إجمالي ميزانية المقاصة المنفذة لسنة 2026 إلى 21.77 مليار درهم.
انطلاقا من هذه الدروس والوقائع الميدانية، تأتي برمجة مشروع قانون المالية لسنة 2027 لتعكس نهجا واقعيا يسعى لترشيد النفقات وتحقيق توازن دقيق ومستدام. وتتجسد هذه الرؤية في تخصيص غلاف مالي إجمالي محدد في 19.4 مليار درهم برسم صندوق المقاصة، وهو رقم يحمل في طياته دلالتين أساسيتين يتمثلان في تجاوز مرحلة التدبير الاستعجالي للصدمات الطاقية التي ميزت 2026 والعودة إلى مسار الضبط التدريجي لعجز الميزانية وتأكيد التزام الدولة بمواصلة دعم أسعار الثلاثي الحيوي (غاز البوتان، السكر، ودقيق القمح اللين). ويرتكز هذا الاستشراف المالي لسنة 2027 على فرضيات حذرة تراهن على انفراج تدريجي في ممرات الطاقة البحرية من جهة، واستثمار المكاسب المائية لتعزيز مخزونات الأمان الوطنية وتثمين منظومة التخزين الاستراتيجي للحبوب من جهة ثانية.
لهذا فإن استقراء مسار المقاصة بين واقع 2026 وتوقعات 2027 يظهر بوضوح أن منظومة الدعم بالمغرب تؤدي وظيفة مزدوجة تجمع بين الاستقرار الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والعدالة المجالية. غير أن استدامة هذا النموذج تظل رهينة بالقدرة على مواصلة التكيف مع تقلبات السوق الدولية فالتحكم في نفقات 2027 عند سقف 19.4 مليار درهم ليس مجرد عملية محاسباتية، بل هو مسار يقترن باليقظة المستمرة فالاستقرار المالي والميداني يظل رهين بالانتقال من منطق التدبير الظرفي للصدمات إلى إصلاح هيكلي عميق يرتكز على الاستهداف المباشر والمنصف للفئات المستحقة، عبر معايير اجتماعية واقعية تتجاوز اختلالات المؤشرات الحسابية الجامدة. وتتكامل هذه العدالة الاجتماعية مع تحقيق النجاعة الميدانية من خلال فك الارتباط الطاقي في العالم القروي بتعميم الطاقة الشمسية في الأنشطة الفلاحية، ومأسسة منظومة التخزين الاستراتيجي للحبوب بما يقلص التبعية لتقلبات الأسواق الدولية. كما تستوجب السيادة الطاقية تعزيز المخزون الاحتياطي الاستراتيجي للمحروقات بكلفة تنافسية، وتجاوز ثقل استيراد المنتجات النفطية الصافية عبر إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير»، وفتح الآفاق أمام استثمارات جديدة في صناعة التكرير تلبي الطلب الوطني وتكبح نزيف الفاتورة الطاقية. وبذلك، ترتقي منظومة الدعم من مجرد أداة محاسباتية لامتصاص الغلاء، لتغدو رافعة استراتيجية متكاملة تصون الأمنين الغذائي والطاقي، وتكرس السيادة الاقتصادية والتنموية الشاملة للمملكة.
