يونس لقطارني
بين مشروع رياضي عالمي تراهن عليه المملكة لاحتضان مونديال 2030، وغابة 33 بالمنصورية التي تتصدر أخبارها مواجهات مسلحة و انتشار شبكات الاتجار بالمخدرات، تبرز مفارقة تضع المسؤولين أمام اختبار حقيقي: هل نبني منشآت عالمية ونترك محيطها يواجه تحديات الأمن والجريمة و الفضيحة والرديلة ؟
ليست بنسليمان اليوم مجرد مدينة تستعد لاستقبال مشروع رياضي ضخم، بل إقليم يقف أمام تحول استثنائي قد يعيد رسم مستقبله الاقتصادي والعمراني والسياحي. فملعب الحسن الثاني الكبير، الذي يجري تشييده بمنطقة المنصورية، أصبح أحد أبرز المشاريع المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030.
إنه مشروع بمواصفات عالمية، واستثمارات ضخمة، وصفقات بمليارات الدراهم، ورهانات تتجاوز حدود كرة القدم لتشمل البنية التحتية والنقل والعقار والسياحة والخدمات.
لكن خلف هذه الصورة الطموحة، تبرز صورة أخرى لا تقل إثارة للقلق.
على مقربة من المجال الذي يحتضن هذا المشروع، تمتد غابة 33 ووادي النفيفيخ، حيث تتوالى تقارير صحفية عن مواجهات بين أشخاص يشتبه في ارتباطهم بتجارة المخدرات، واستعمال الأسلحة النارية، وتحول بعض المناطق الغابوية إلى فضاءات مشتبه في استغلالها للتخزين والترويج والاستهلاك.

وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق أن تتحول إلى سؤال عمومي كبير: كيف نستعد لاستقبال العالم في ملعب عالمي، بينما تطرح تقارير محلية أسئلة مقلقة حول الأمن في محيط المنطقة؟
غابة 33.. من فضاء طبيعي إلى ملف أمني مفتوح
ما يجري في غابة 33 لم يعد مجرد شكاوى عابرة من بعض السكان أو مرتادي المنطقة.
ففي 10 أكتوبر 2026، تحدثت تقارير صحفية عن مواجهة مسلحة بين شخصين يشتبه في ارتباطهما بترويج المخدرات، انتهت بإصابة أحدهما بطلقات بندقية صيد على مستوى الرجلين.
وقبل ذلك، شهدت المنطقة، بحسب التقارير نفسها، مواجهة دموية خلال أبريل الماضي أودت بحياة شخص وأصابت آخر، مع العثور على أكثر من عشرين خرطوشة فارغة بمكان الواقعة.
كما تحدثت تقارير صحفية أخرى عن عودة نشاط شبكات ترويج البوفا والكوكايين والشيرا والأقراص المهلوسة، وعن استغلال بعض المناطق المعزولة داخل الغابة في التخزين والتوزيع.
هذه المعطيات، وإن كانت تستوجب التحقق القضائي والأمني، تكشف حجم المخاوف التي باتت تحيط بالمنطقة، وتفرض التعامل معها باعتبارها قضية أمن عام، لا مجرد أخبار حوادث متفرقة.
ملعب الحسن الثاني.. المليارات تصنع المستقبل، فمن يحمي الحاضر؟
في الجهة المقابلة، يستمر العمل على إنجاز ملعب الحسن الثاني الكبير، المشروع الذي يرتقب أن يكون من أكبر المنشآت الكروية عالمياً.

وقد تحدثت تقارير اقتصادية عن صفقة للتهيئات الخارجية بقيمة تقارب 2.7 مليار درهم، تشمل الطرق والمسالك والساحات والشبكات التقنية المرتبطة بالمشروع.
كما أعلن فوزي لقجع، في تصريحاته المنشورة يوم 29 أكتوبر 2026، أن الأشغال تتقدم وفق البرنامج المحدد، مع استهداف استكمال المشروع مطلع سنة 2028.
إنها أرقام كبيرة ورهانات ضخمة، ولا أحد يمكنه إنكار أهمية هذا المشروع بالنسبة للمغرب وبالنسبة لمستقبل إقليم بنسليمان.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن المسؤولين هو: هل ستواكب الاستثمارات الرياضية والعمرانية معالجة الاختلالات الأمنية والاجتماعية والبيئية المحيطة بها؟
فلا معنى للتباهي بملعب عالمي إذا ظل المواطن منشغلاً بالخوف على سلامته في الفضاءات المجاورة. ولا يمكن الحديث عن التنمية السياحية والاستثمارية دون ضمان الأمن والاستقرار.
أين الدرك الملكي؟ وأين السلطات المحلية؟
إن تكرار الأخبار المتعلقة بالمواجهات المسلحة والاتجار بالمخدرات في غابة 33 يفرض مساءلة واضحة حول نجاعة التدابير الأمنية المتخذة.
ما طبيعة الخطة الأمنية المعتمدة لمراقبة الغابة ومداخلها ومسالكها؟
هل هناك تنسيق دائم بين مصالح الدرك الملكي ببنسليمان والمحمدية وبوزنيقة، بالنظر إلى امتداد المنطقة بين أكثر من مجال ترابي؟
هل يجري التركيز على توقيف صغار المروجين فقط، أم أن هناك عملاً استخباراتياً وتحقيقات تستهدف تفكيك الشبكات ومصادر تمويلها ورؤوسها المحتملة؟
وماذا عن السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح المكلفة بتدبير المجال الغابوي؟ أين دورها في حماية الفضاء العام ومراقبة الأنشطة غير القانونية؟
هذه أسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، ولا تتضمن حكماً مسبقاً على أداء أي مسؤول، لكنها أسئلة مشروعة يفرضها حق المواطنين في الأمن، وحق الرأي العام في معرفة حقيقة ما يجري.
الشباب بين ملعب الأحلام ومخاطر الإدمان
هناك جانب آخر لا يجوز إغفاله.
فالمغرب يستثمر في بناء ملاعب كبرى ومراكز رياضية، ويطمح إلى جعل كرة القدم وسيلة لإلهام الأجيال الجديدة، لكن انتشار المخدرات الصلبة والمؤثرات العقلية يمثل تحدياً اجتماعياً خطيراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشباب.

إن حماية الشباب لا تتحقق ببناء الملاعب وحدها، بل تحتاج إلى سياسة متكاملة تشمل الرياضة والثقافة والتأطير والتوعية والعلاج من الإدمان ومحاربة شبكات الترويج.
وإذا كان ملعب الحسن الثاني يمثل صورة المستقبل الذي نطمح إليه، فإن محاربة المخدرات والجريمة تمثل شرطاً أساسياً لحماية ذلك المستقبل.
بنسليمان لا تحتاج إلى المظاهر وحدها.. بل إلى تنمية متكاملة
إن الرهان الحقيقي ليس أن يصبح إقليم بنسليمان مجرد عنوان لملعب عالمي، بل أن تتحول هذه المنشأة إلى رافعة تنموية يستفيد منها السكان.
نريد طرقاً جيدة، ونقلاً عمومياً يربط المنطقة بمحيطها، وفرص شغل للشباب، واستثمارات سياحية، ومرافق صحية ورياضية وثقافية، وفضاءات غابوية آمنة ونظيفة.
ونريد، قبل كل ذلك، أن يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في حياته اليومية، وأن القانون يسري على الجميع، وأن الفضاءات العامة ليست مجالاً مستباحاً لشبكات الجريمة.
فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الصفقات والمليارات التي تضخ في المشاريع الكبرى، بل أيضاً بمدى قدرة هذه المشاريع على تحسين حياة السكان وحماية أمنهم وكرامتهم.
رسالة إلى المسؤولين.. لا تتركوا بنسليمان أمام صورتين متناقضتين
إننا نضع هذا الملف أمام عمالة إقليم بنسليمان، والقيادة الجهوية للدرك الملكي، والقيادات الترابية المختصة، والسلطات المحلية، والجهات المسؤولة عن تدبير المجال الغابوي.
المطلوب ليس حملة أمنية موسمية تنتهي بانتهاء الضجة الإعلامية، ولا وعوداً عابرة لامتصاص غضب الساكنة، بل تدخل ميداني دائم، وتطويق بؤر الجريمة، وفتح تحقيق جدي وشفاف في ما يجري بغابة 33 ومحيط وادي النفيفيخ، مع تقييم المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره.
كما نطالب بوضع خطة لحماية المجال الغابوي وإعادة تأهيله، وضمان سلامة مرتاديه، وتوفير فضاءات آمنة للشباب والعائلات.
فليس مقبولاً أن نرفع سقف الطموح إلى مستوى تنظيم كأس العالم، بينما تظل بعض القضايا الأساسية المرتبطة بأمن المواطن وحماية الفضاء العام معلقة.
الخلاصة: أي بنسليمان نريد سنة 2030؟
نريد بنسليمان بملعب عالمي، وغابات آمنة، وشباب محمي من المخدرات، واستثمارات تخلق فرص الشغل، ومؤسسات تقوم بمسؤولياتها.
لا نريد مدينة بواجهة رياضية براقة وواقع محلي مثقل بالمخاوف والاختلالات.
ملعب الحسن الثاني يجب أن يكون عنواناً للتنمية، وغابة 33 يجب أن تستعيد مكانتها فضاءً طبيعياً آمناً، لا أن تبقى عنواناً للأخبار الأمنية المقلقة.
فالمونديال ليس مجرد ملاعب ومدرجات وأضواء وعدسات تلفزيونية؛ إنه أيضاً امتحان لقدرتنا على بناء مدن آمنة، ومجتمع متوازن، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها.
بنسليمان تستحق أكثر من ملعب المليارات.. تستحق مستقبلاً آمناً يليق بأبنائها.

