موريتانيا قلقة من تنمية المغرب للكويرة: مخاوف اقتصادية في نواذيبو مقابل سيادة وطنية في الأقاليم الجنوبية
في خضم الدينامية التنموية التي يشهدها المغرب في أقاليمه الجنوبية، أثار الإعلان عن مشاريع تأهيل وتعمير بلدة الكويرة، أقصى جنوب الصحراء المغربية، ردود فعل متباينة في الأوساط الموريتانية. فبينما تعتبر الرباط هذه المشاريع امتداداً طبيعياً لسيادتها على كامل ترابها، تبدي جهات في البلد الجار قلقها من تداعيات هذا التطور على مدينة نواذيبو الموريتانية المجاورة.
تقع الكويرة على الشريط الساحلي الجنوبي للأقاليم الجنوبية، على مقربة من الحدود الموريتانية، وتحديداً مقابل مدينة نواذيبو التي تبعد عنها بمسافة قصيرة. لطالما كانت هذه البلدة منطقة شبه خالية من السكان والبنية التحتية، وهو ما جعلها طوال العقود الماضية مجرد موقع على الخريطة دون حضور اقتصادي أو عمراني فعلي، مما حولها إلى منطقة عازلة في الصحراء. لكن مع إطلاق المغرب لنموذجه التنموي الجديد بالأقاليم الجنوبية، الذي يشمل استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية والموانئ والطاقة والسياحة، باتت الكويرة ضمن دائرة الاهتمام، خصوصاً بعد الإعلان عن مشاريع لتعميرها وتأهيلها سياحياً واقتصادياً.
القلق المطروح في الأوساط الموريتانية يتمحور بشكل أساسي حول المنافسة الاقتصادية لنواذيبو، التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لموريتانيا ومركزاً رئيسياً للصيد وتصدير المعادن. هناك تخوف من تحول الكويرة إلى ميناء منافس أو منطقة حرة تستقطب الاستثمارات، وإمكانية أن تصبح وجهة سياحية على حساب نواذيبو التي كانت شبه محتكرة للنشاط في هذه المنطقة الحدودية. كما أن نواذيبو استفادت لعقود من كون المنطقة المحاذية لها غير مؤهلة، مما جعلها النقطة التجارية والمينائية الوحيدة في محيطها الإقليمي، وتأهيل الكويرة يعني ظهور لاعب جديد قد يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية.
يرى مراقبون أن الموقف الموريتاني المتوجس يعود أيضاً إلى استفادة موريتانيا نسبياً من النزاع في الصحراء كمنطقة عازلة تحد من الضغط على حدودها، ووجود علاقات تاريخية قبلية تمتد عبر الحدود، تجعل أي تغيير ديموغرافي أو عمراني في الكويرة مصدر قلق للقبائل الموريتانية التي لها امتدادات في المنطقة.
المغرب، الذي استعاد مقعده في الاتحاد الإفريقي وعاد بقوة إلى حاضنته الإفريقية، يبدو عازماً على تغيير قواعد اللعبة في المنطقة وفق مبدأ جديد. فالرباط تعتبر الكويرة جزءاً لا يتجزأ من ترابها، ومن حقها استثماره وتعميره كيفما تشاء، دون انتظار موافقة أو تفهم الجيران. كما أن المغرب يرفض أن تبقى أي شبر من أقاليمه الجنوبية منطقة معزولة، لأن ذلك كان جزءاً من مشاريع أطروحات الانفصال، والتنمية في الكويرة هي ترجمة عملية للسيادة المغربية. بعد سنوات من استفادة أطراف إقليمية من إبقاء المنطقة متجمدة، يريد المغرب فرض واقع جديد قوامه مشاريع كبرى تجذب السكان والاستثمار، وتحويل المنطقة من بؤرة توتر إلى ورش مفتوح، مع عدم الاكتراث بالضغوط أو التحفظات الخارجية طالما أنها لا تمس السيادة.
من السذاجة اختزال الموقف الموريتاني في الحسد أو الحماقة كما يصفه البعض، فنواكشوط تتحرك وفق مخاوف اقتصادية حقيقية حيث يخشى التجار والنخبة في نواذيبو على مصالحهم، وتوازنات سياسية داخلية حيث أي تقارب مغربي مفرط في المنطقة قد يزعزع التوازنات القبلية في الشريط الحدودي، وحسابات دبلوماسية حيث تريد موريتانيا الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف بما فيها المغرب والجزائر والبوليزاريو. لكن ما فات بعض الموريتانيين هو أن المغرب تغير، فبعد سنوات من انتظار حلول سياسية لم تأتِ، قررت الرباط الرهان على التنمية كسلاح لفرض السيادة وكسب الولاءات.
يمكن توقع عدة سيناريوهات محتملة في المرحلة المقبلة، منها توتر دبلوماسي خافت يبقى فيه التحفظات الموريتانية في حدود التصريحات غير الرسمية مع استمرار التعاون في الملفات الأخرى، أو تسوية عملية عبر تفاهمات حدودية حول آلية التعامل مع النشاط الاقتصادي في المنطقة بما لا يضر مصالح الطرفين، أو فرض أمر واقع باستمرار المغرب في مشاريعه دون اكتراث مما يجبر موريتانيا على التكيف مع الوضع الجديد.
ما يحدث اليوم في الكويرة يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة المغرب تجاه أقاليمه الجنوبية، فبعد أن كانت المنطقة لسنوات رهينة صراعات وحسابات خارجية، ها هي اليوم تتحول إلى ورش مفتوح. موريتانيا، التي تعودت على جار هادئ في الجنوب، قد تضطر إلى مراجعة حساباتها، لأن المغرب الجديد لم يعد ينتظر إذن أحد لاستثمار ترابه، والمصلحة الوطنية أولاً هي العنوان الأبرز للمرحلة القادمة.

