العنوان: الإخوة الأعداء… عندما تتحول اتفاقيات الشراكة إلى أوراق مسحوقة على أبواب الموانئ
بقلم إساوي هشام
في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة العربية، تطل العلاقات المغربية المصرية كحالة استثنائية من الجذب والشد، حيث تمتزج فيها دماء التاريخ المشترك بمنافسة إقليمية محمومة، وتضيع النوايا السياسية الحسنة في متاهة الخلافات التجارية والمواقف “الحربائية”. فبين الرباط والقاهرة، لا تسير الأمور كما تُخطّط لها في بروتوكولات الزيارات الرسمية، بل تُكتب بلغة مختلفة على أرض الموانئ وفي أروقة الاتفاقيات الموقعة.
يأتي التوتر التجاري الأخير ليكشف عن هشاشة البنية التحتية لهذه العلاقة، التي يفترض أن تكون استراتيجية. فاتفاقية أغادير، التي وُقعت لتكون جسراً للتبادل الحر والاندماج الاقتصادي، باتت ورقة متنازعاً عليها. وتتهم الرباط القاهرة بعدم الالتزام ببنودها، لا من خلال عرقلة استيراد المنتجات المغربية الواعدة كقطاع السيارات فحسب، بل عبر ممارسات تجارية وصفتها المصادر المغربية بأنها أشبه بتزوير المنشأ، حيث تعاد تصدير بضائع صينية إلى المغرب على أنها مصرية الصنع. وتبلغ المأساة ذروتها مع تكدس أكثر من 840 حاوية مغربية في الموانئ المصرية بدون مبرر، تاركة السلع عرضة للتلف، في مشهد يجعل من الحاويات الرابضة على الأرصفة أيقونة جديدة للعلاقات الثنائية: جامدة، مهددة بالانهيار، وخاسرة على جميع المستويات.
غير أن الصراع التجاري ما هو إلا وجه واحد لهذا الخلاف المتعدد الأبعاد. فالقطيعة المكتومة تمتد جذورها إلى عمق السياسة والتموقع الإقليمي. تُبدي القاهرة مواقف “حربائية” من قضية الصحراء المغربية، لا ترتقي إلى مستوى الوضوح والدعم المطلوبين، في مقابل اصطفاف خفي وتنسيق واضح مع الخصم الإقليمي المباشر للمغرب، الجزائر. هذا الموقف المصري، الذي يوصف بأنه ضبابي، يُقرأ في الرباط على أنه غطاء سياسي للمناورات التي تضرب المصالح المغربية العليا، مما يجعل أي شراكة اقتصادية مهددة باستمرار بتقلبات المزاج السياسي.
في المقابل، يبرز السعي المغربي الدؤوب كمحاولة لردم هذه الهوة، حيث تبدو الرباط وكأنها تمشي على حبل مشدود بين الرغبة في “تنزيل شراكة تليق بالامتداد التاريخي”، وبين واقع يشير إلى أن القاهرة تنظر إلى العلاقة من زاوية مغايرة تماماً. يبدو أن مصر، المنشغلة بتعقيدات محيطها الإقليمي وصراعاته، لم ترتق بعد في سلم أولوياتها إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية” التي يتطلع إليها المغرب، مكتفية بعلاقة جامدة تحكمها حسابات اللحظة لا رؤية المستقبل.
هكذا، تظل العلاقة بين أكبر قطبين في شمال إفريقيا رهينة لتلك الحاويات العالقة. فهل تنجح الدبلوماسية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تفسد البضائع وتفسد معها عقود من التاريخ المشترك؟ أم أن التوتر التجاري الراهن هو مجرد بداية لعاصفة أكبر تنتظر الإخوة الأعداء في المنطقة

