بقلم يونس لقطارني
أصبح العبث من السمات المميزة للعمل السياسي في المغرب بسبب ما تراكم منذ عدة سنوات من عمليات سياسية خارج نطاق المألوف، ورغم التغيير الحاصل في الخطابات الرسمية خلال السنوات الأخيرة، فإن العاهات التي أصيب بها المجتمع السياسي أصبحت مزمنة ومستعصية على العلاج.وكلما حلت مواعيد الانتخابات تبرز بشكل أكثر وضوحا مظاهر العبث السياسي ،حيث يطغى الهدف الكمي على الأحزاب السياسية، وتكاد تتفق كلها في هاجس الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد، دون الاحتكام إلى معايير الاستقامة والكفاءة والفعالية؛ وما دام أن التجربة تؤكد بأن الذين يستطيعون «الفوز» في أغلب الحالات هم الأسماء اللامعة وأصحاب الشهادات حتى لو كانت مزورة ، ومعهم أصحاب النفوذ والمال الوفير، الحلال منه والحرام يعني( مول الشكارة) ، فإن الأحزاب السياسية عوض أن تتنافس في وضع برامج وخطط واستراتيجية واقعية، وتجتهد في ابتكار الحلول الناجعة للمشاكل المطروحة، فإن جهودها أصبحت تتجه أكثر للتسابق على استقطاب أكبر عدد ممكن ممن ذكرنا لترشيحهم باسمها،وتحقيق نتائج «مشرفة» والتمكن بالتالي من احتلال المراتب المتقدمة داخل المؤسسات. ومع وجود الهاجس المشار إليه لدى الأحزاب فإن أصحاب النفوذ يتمتعون بحظوة خاصة، فالجميع يطلب ودهم، وحينما يتم استقطاب عناصر من هذه الفئة يتم منحها المكانة التي «تستحقها» داخل الحزب الذي وفدت إليه، ليس في الترشيح للانتخابات فحسب، وإنما كذلك في المؤسسات القيادية للحزب الذي استقطبها، وذلك على حساب المنتسبين الحقيقيين للأحزاب المعنية، بقطع النظر عن رصيد هؤلاء أو كفاءتهم، أو تجربتهم، لأن المطلوب هو المقاعد التي يسهل الحصول عليها بالمال والجاه والمحسوبية وسياسة باك صاحبي، وهو ما لا يتوفر إلا لفئة يمكن تسميتها بـ (الكائنات الانتخابية) التي تمارس الترحال السياسي ويمكنها أن «تفوز» بأي لون سياسي مرورا باليمين والوسط واليسار دون أي حرج أو خجل.وفي ظل هذا الوضع الذي يميز المشهد السياسي يحصد المغرب الكثير من العاهات والأعطاب التي تؤثر سلبا على مساره السياسي وتؤدي إلى المزيد من تفاقم مشاكله الاقتصادية والاجتماعية.
وفي المجتمع الذي تستفحل فيه مثل هذه العاهات السياسية لا يمكن استغراب تزايد نفور الشباب ومختلف الشرائح من العمل السياسي والعزوف عن المشاركة في الانتخابات، وفقدان الثقة في المؤسسات، وخطورة الحالة التي وصلنا إليها لا تنحصر في رفض العمل السياسي المشروع، وإنما تكمن في الدفع بعدة طاقات للتطرف بتغطيات إيديولوجية متباينة يجمع بينها اليأس من العمل في إطار المؤسسات المشروعة مما يهدد الاستقرار ويجعل المستقبل مفتوحا على كل الاحتمالات التي لا تُحمد عقباها، خاصة وأن البلاد تعاني من انتشار الفقر والبطالة والأمية والتفاوت العميق بين فئة قليلة موسرة وفئات عريضة محرومة من وسائل العيش الكريم، فضلا عن التفاوت بين الجهات، وما تعرفه بعض المناطق من تهميش وحرمان من التجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية، وترجيح المقاربة الأمنية في مواجهة الحركات الاحتجاجية على الحوار، والتضييق على الحريات، وغير ذلك من الظواهر والحالات المثيرة للتذمر والاستياء في الأوساط الشعبية.ولذلك فإن الحاجة الملحة للإصلاح لابد وأن تنطلق من معالجة الأمراض التي يعانيها المشهد السياسي، ولا يمكن وضع حد للفساد الذي أصبح يلمسه الجميع إلا باتخاذ تدابير سياسية وتشريعية وزجرية ملموسة في هذا الاتجاه، وخلق الظروف الملائمة لعقلنة الممارسة الحزبية، وضمان الفرص المتكافئة أمام التنافس المشروع، مما يساعد على إفراز نخب جديدة، ويعطي الأمل في الخروج من دوامة العبث، ويفسح المجال لقيام مؤسسات تتميز بالمصداقية، ويفتح الآفاق أمام الأجيال الصاعدة للمشاركة في بناء الغد الأفضل.

