انفراجة تاريخية.. مستثمر خليجي وباركليز يعرضان 3400 مليار سنتيم لإنقاذ “لسمير” وإعادة تشغيل مصفاة المغرب الوحيدة
إساوي هشام أروى بريس
في تطور مفاجئ يحمل آمالاً كبيرة
للقطاع الطاقي المغربي، كشفت مصادر مقربة” عن تقدم مستثمر خليجي، مدعوم من بنك باركليز الدولي، بعرض رسمي لشراء مصفاة “سامير” بالمحمدية. العرض الذي تبلغ قيمته 3400 مليار سنتيم (ما يعادل 34 مليار درهم) تم إيداعه لدى رئيس المحكمة التجارية بالدار البيضاء، في خطوة تهدف إلى إعادة تشغيل المصفاة الوحيدة في المملكة المتوقفة منذ غشت 2015.
لفهم أهمية هذا العرض، لا بد من العودة إلى جذور الملف. تأسست شركة “سامير” (الشركة المغربية للصناعة والتكرير) عام 1959 كشركة عمومية كانت تعد جوهرة الصناعة المغربية ومحركاً اقتصادياً رئيسياً بمدينة المحمدية. كانت المصفاة تلبي حوالي 64% إلى 67% من حاجيات المغرب من المواد النفطية المكررة، بطاقة تكريرية تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً. في عام 1997، وفي إطار سياسة الخوصصة، تم بيع 67% من أسهم الشركة لمجموعة “كورال بتروليوم” المملوكة لرجل الأعمال السعودي محمد حسين العمودي. لكن هذه الشراكة انتهت بكارثة مالية، حيث تراكمت ديون الشركة لتصل إلى أكثر من 4.4 مليارات دولار (حوالي 40 مليار درهم). توقف الإنتاج فعلياً في غشت 2015، وأصدرت المحكمة التجارية حكمها بالتصفية القضائية هو في 21 مارس 2016.
اتسم إغلاق المصفاة بتبعات وخيمة على الاقتصاد والمواطن المغربي. فقد وصفته الوكالة الدولية للطاقة بأنه “خطأ استراتيجي” أدى إلى ارتفاع مهول في الفاتورة الطاقية للمغرب. فكلفة واردات المغرب من المواد النفطية المكررة بلغت حوالي 12 مليار دولار سنوياً، بينما كان بإمكان المصفاة توفير ملياري دولار سنوياً عبر استيراد النفط الخام بدل المكرر. كما انخفض المخزون الوطني من المحروقات من 71 يوماً إلى أقل من 20 يوماً، مما يهدد الأمن الطاقي للبلاد. وساهم غياب المصفاة في خلق سوق غير تنافسية، حيث تُقدر الأرباح الفاحشة للوبيات المحروقات بحوالي 8 مليارات درهم سنوياً على حساب المواطن. كما تم فقدان حوالي 4500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، مع بقاء مئات المهندسين والخبراء في حالة بطالة.
رغم مرور سنوات على التصفية ووجود أكثر من 35 عرضاً سابقاً، لم يكتب النجاح لأي صفقة. يعود ذلك إلى عدة عوامل معقدة، أبرزها غياب رؤية حكومية واضحة بشأن مستقبل صناعة التكرير في المغرب، والملف العالق في التحكيم الدولي حيث رفع المالك السابق دعوى ضد المغرب مطالباً بتعويض 2.7 مليار دولار، وصدر حكم في يوليوز 2024 بتغريم المغرب 150 مليون دولار فقط لكن المغرب استأنف القرار، بالإضافة إلى تعقيدات الديون والأصول المقدرة بحوالي 21 مليار درهم مقابل ديون متراكمة.
يأتي العرض الخليجي الجديد بدعم من بنك باركليز، مما يمنحه ثقلاً مالياً كبيراً. وفق المصادر، يهدف العرض إلى الاستحواذ على كامل أصول الشركة في إطار “مسطرة إنقاذ” المصفاة، وليس مجرد شراء أجزاء منها. المتفائلون بهذا العرض يرون فيه فرصة تاريخية لتصحيح الخطأ الاستراتيجي وإعادة السيادة الطاقية للمغرب، مع إمكانية خفض أسعار المحروقات بحوالي درهمين للتر مك الواحد، وإنعاش المنطقة الصناعية بالمحمدية واستعادة الآلاف من مناصب الشغل. لكن التحدي يبقى قائماً في انتظار موقف المحكمة التجارية والمفاوضات النهائية، خاصة في ظل استمرار إجراءات الاستئناف في قضية التحكيم الدولي. يترقب المغاربة بفارغ الصبر ما ستؤول إليه هذه المفاوضات، آملين أن تعود الحياة إلى المصفاة التي كانت يوماً رمزاً للصناعة الوطنية.

