“الرهان الأخير تحت الأرض: تفاصيل اقتحام ‘الديستي’ لصهريج كناوة والإطاحة بأباطرة القمار في فاس”
في قلب العاصمة العلمية، وتحت معلم تاريخي عريق يمتد لعقود، كانت تدار أكبر إمبراطورية قمار سرية في المغرب. صهريج كناوة الذي كان وجهة للسياح وعشاق التراث، تحول إلى وكر للمقامرين وتجار المخدرات، حيث كان الليل يشهد طقوساً مختلفة تماماً عما يعرفه سكان المنطقة، حتى داهمتهم “الديستي” في عملية وصفت بالأكبر من نوعها، لتنتهي بذلك أسطورة إمبراطورية الظل التي أرعبت الآمنين ودنسّت تاريخ المدينة.
العملية الأمنية التي نفذتها عناصر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني جاءت بعد أشهر من الرصد والمراقبة الدقيقة، حيث تمكنت المصالح الأمنية من تحديد موقع الإمبراطورية السرية التي كانت تمتد في سراديب صهريج كناوة، مستغلة تعقيدات البنية التحتية للمكان التاريخي. في ساعة مبكرة من فجر يوم الخميس، حاصرت عشرات السيارات الأمنية المنطقة من جميع المداخل، فيما تسللت فرق القوات الخاصة عبر أنفاق سرية لم تكن معروفة حتى لسكان الدرب المجاور. لحظة الاقتحام كانت دراماتيكية، حيث فوجئ المقامرون وحراس المكان بأضواء كاشفة تخترق الظلام وأصوات مكبرة تأمرهم بالاستسلام دون حركة، فيما حاول بعضهم الفرار عبر ممرات قديمة لكنهم اصطدموا بكمائن محكمة أعدت خصيصاً لإحكام الطوق.
صهريج كناوة، هذا المعلم التاريخي الذي يعود لعهد المرينيين والمصنف ضمن التراث العالمي، تحول في السنوات الأخيرة إلى مسرح لأنشطة مشبوهة. فبينما كانت جدرانه الأثرية تروي قصص القرون الماضية، كانت غرف تحت الأرض تستقبل ليلاً أثرياء المدينة وزواراً غرباء يقصدونها خصيصاً للمشاركة في جلسات قمار منظمة. مصادر محلية أكدت أن الشبكة استغلت موقع الصهريج الاستراتيجي في عمق المدينة القديمة، وطبيعته المعمارية التي توفر مخارج متعددة، لتحويله إلى كازينو سري عصي على الاختراق. السكان المجاورون كانوا يلاحظون حركة غريبة ليلاً، لكن الخوف من التبعيات حال دون الإبلاغ، فيما كان آخرون يتساءلون كيف يمكن لمكان مخصص للوضوء والصلاة أن يتحول إلى وكر للرذيلة دون أن تتحرك سلطة.
أباطرة هذه الإمبراطورية لم يكونوا وجوهاً عادية، بل شبكة معقدة من المنظمين والحراس والوسطاء الذين كانوا يديرون العملية بحرفية عالية. التحقيقات الأولية كشفت أن رأس الشبكة ينحدر من إحدى العائلات المعروفة في فاس، وكان يستغل علاقاته الواسعة لجذب زبائن من فئة رجال الأعمال والسياح الأجانب، بل وحتى بعض الفنانين والمشاهير الذين يفضلون المغامرات المحرمة بعيداً عن الأضواء. كما تشير المعطيات إلى وجود صلات وثيقة بين هذه الشبكة ومهربي المخدرات، حيث كان يتم توفير جميع أصناف الممنوعات للمترددين على المكان، مما حول الصهريج إلى محطة متكاملة للفساد لا تقتصر على القمار فقط.
المضبوطات التي تم حجزها داخل الصهريج كانت صادمة بحق، حيث عثرت القوات الأمنية على مئات الملايين من الدراهم نقداً، موزعة بين العملة الوطنية والأجنبية، بالإضافة إلى سبائك ذهبية ومجوهرات ثمينة يشتبه في كونها متحصلات عمليات تبييض أموال. كما تم حجز أجهزة قمار إلكترونية متطورة، وطاولات روليت مصممة خصيصاً، وسيارات فاخرة كانت مركونة في كراجات سرية مجاورة. لائحة المتهمين الموقوفين شملت 28 شخصاً من جنسيات مختلفة، بينهم مغاربة وأجانب، فيما لاتزال الأبحاث جارية لتحديد هوية متورطين آخرين فرّوا لحظة المداهمة أو كانوا خارج البلاد.
التحقيقات لاتزال متواصلة تحت إشراف النيابة العامة المختصة، حيث ينتظر المتورطون محاكمة وصفت بالتاريخية نظراً لضخامة الشبكة وخطورة التهم الموجهة إليهم، والتي تشمل تأسيس مكان مخصص للقمار غير المشروع، وجمع أموال بطرق غير قانونية، وتبييض الأموال، والإتجار بالمخدرات، والرشوة، والتزوير. العقوبات المحتملة تصل إلى السجن النافذ لسنوات طويلة وغرامات مالية كبيرة، مع مصادرة جميع الأموال والممتلكات المتحصلة من الأنشطة الإجرامية، في انتظار ما ستكشف عنه بقية التحقيقات من مفاجآت جديدة.
لم تكن عملية “الديستي” مجرد مداهمة أمنية عادية، بل هي رسالة واضحة بأن الدولة لن تسمح باستغلال تاريخ المغرب وهوياته لتحويلها إلى أوكار للفساد. صهريج كناوة عاد اليوم ليكون معلمة نظيفة بعد أن كاد يتحول إلى مقبرة للقيم والأخلاق، فيما ينتظر سكان المدينة القديمة بفارغ الصبر عودة الحياة الطبيعية إلى حيّهم الذي عاش لسنوات تحت رحمة أباطرة الظل الذين راهنوا على المكان والخاسر الأكبر كانوا هم.
عن جريدة أروى بريس

